---
بقلم: الدكتور محمد يوسف حسن بزبز
سفير جائزة الملكة رانيا العبدالله للتميز التربوي
---
ليست كل الخطابات التي تُلقى في المناسبات الدستورية تُقرأ من زاوية المناسبة التي جاءت فيها؛ فثمة خطابات تتجاوز حدود اللحظة، لأنها تضع أمام الدولة والمجتمع ملامح مرحلة، وتعيد ترتيب الأولويات، وتحدد طبيعة المسؤولية في مواجهة ما يحيط بالوطن من تحديات. ومن هذا المنطلق، يأتي خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، يوم الثاني من تشرين الثاني 2026، بوصفه خطابًا يحمل أبعادًا وطنية وسياسية وتنموية، ويقدم قراءة متكاملة لأولويات الدولة الأردنية في مرحلة إقليمية دقيقة.
إن القيمة الأعمق في خطاب العرش لا تكمن في تعدد الملفات التي تناولها فحسب، وإنما في الطريقة التي انتظمت بها هذه الملفات ضمن رؤية واحدة؛ قوامها أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على مواجهة المخاطر، بل كذلك بقدرتها على حماية تماسك مجتمعها، وصون كرامة مواطنيها، وتعزيز مؤسساتها، وتحويل الإمكانات المتاحة إلى فرص تنعكس على حياة الناس ومستقبلهم.
استهل جلالة الملك خطابه في سياق وطني استثنائي، في أعقاب الاعتداء الإرهابي الذي استهدف الأردن وأودى بحياة شهداء من أبناء الوطن، فجاء التأكيد واضحًا على أن أمن الأردن ووحدته الوطنية ليسا مجالاً للمساومة أو الاختبار. ولم يكن استحضار شهداء الكرك مجرد إشارة إلى حدث أمني مؤلم، بل تأكيدًا على أن حماية الوطن مسؤولية وطنية جامعة، وأن دماء الشهداء تضع أمام الجميع واجباً مستمراً في صون الدولة وحماية مجتمعها.
وهنا تتجلى إحدى أهم دلالات الخطاب؛ فمواجهة الإرهاب لا تقتصر على الإجراءات الأمنية، على أهميتها، وإنما تمتد إلى بناء الوعي، وترسيخ الانتماء، وحماية النسيج الاجتماعي من محاولات الاختراق والتفكيك. فالأوطان لا يحميها السلاح وحده، بل يحميها أيضًا مجتمع يدرك قيمة وحدته، ومؤسسات تحظى بثقته، ومواطن يعرف أن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة، وأن التنوع لا ينتقص من وحدة الهوية الوطنية. ولعل في تأكيد جلالته أن قوة الأردن تكمن في شعبه، كلما اشتدت الخطوب ازداد تماسكًا وبصيرة وحكمة، رسالة تتجاوز توصيف الحالة الأردنية إلى تحديد أحد أهم مصادر منعة الدولة واستمرارها: وعي الإنسان الأردني وقدرته على التمييز بين الاختلاف المشروع ومحاولات بث الفرقة.
وفي الشأن العربي والإقليمي، أعاد خطاب العرش التأكيد على ثوابت السياسة الأردنية، وفي مقدمتها التمسك بالعروبة والدفاع عن قضايا الأمة، والوقوف إلى جانب الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، باعتبار أن أمن المنطقة واستقرارها لا يمكن أن يتحققا دون معالجة جذور الصراع، وفي مقدمتها إنهاء معاناة الشعب الفلسطيني وتمكينه من حقوقه المشروعة على أرضه. وتبرز أهمية هذا الموقف في زمن تتبدل فيه الحسابات السياسية وتتداخل فيه المصالح، إذ يضع الأردن محددات موقفه انطلاقًا من قناعاته التاريخية ومسؤولياته القومية والإنسانية، لا من اعتبارات ظرفية عابرة. إن الثبات على المبادئ لا يعني الانغلاق عن المتغيرات، كما أن قراءة التحولات لا تعني التخلي عن الثوابت. وبين هذين المسارين تتحدد قيمة السياسة الخارجية المسؤولة: القدرة على التعامل مع الواقع بوعي ومرونة، دون التفريط بالحقوق أو التراجع عن المواقف التي تشكل جزءاً من هوية الدولة ورسالتها.
ومن المحاور اللافتة في الخطاب انتقال جلالة الملك إلى مسؤولية المؤسسات الدستورية، وتحديدًا الدور المنتظر من مجلس الأمة في التشريع والرقابة وتمثيل مصالح الأردنيين. فالبرلمان، وفق هذا التصور، ليس مجرد مساحة للنقاش أو محطة لإقرار القوانين، بل مؤسسة وطنية تقاس فاعليتها بقدرتها على التعبير عن تطلعات المجتمع، ومراقبة الأداء الحكومي، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الضيقة.
وفي هذا السياق، تكتسب إشارة جلالته إلى أن اختلاف الرأي يمثل قوة ما دامت مصلحة الأردن هي الغاية أهمية خاصة؛ لأنها تؤسس لفهم ناضج للحياة العامة، يقوم على أن التعددية ليست تهديداً للاستقرار، وأن النقاش المسؤول لا يضعف المؤسسات، بل يعزز قدرتها على اتخاذ قرارات أكثر اتزانًا وفاعلية. كما أن تأكيد جلالته أن الأردنيين لا ينظرون إلى ما يصدر عن مجلس الأمة من قوانين فحسب، بل إلى ما يصدر عنه من سلوك وخطاب، يضع معياراً مهماً للأداء العام؛ فالمؤسسات لا تكتسب احترام المجتمع من صلاحياتها القانونية وحدها، وإنما من مستوى المسؤولية والنزاهة والجدية التي تمارس بها تلك الصلاحيات.
ومن أكثر الرسائل وضوحًا في خطاب العرش تأكيد جلالة الملك أن مصلحة الأردني يجب أن تكون في صلب كل قرار، لا على هامشه. وهذه العبارة، في دلالتها الإدارية والتنموية، تختصر جوهر العلاقة بين الدولة والمواطن؛ فنجاح السياسات لا ينبغي أن يُقاس بعدد الخطط المعلنة أو حجم البرامج والمشروعات على الورق، وإنما بما تحققه من أثر حقيقي في حياة الإنسان، وبما توفره من فرص للعمل، وتحسن في مستوى المعيشة، وجودة في التعليم والعلاج، وطمأنينة على مستقبل الأبناء. وهنا تبرز مسؤولية الحكومة ومؤسسات الدولة في الانتقال من منطق الإنجاز الإجرائي إلى منطق الأثر الملموس. فالمواطن لا ينتظر أن يسمع عن التنمية بقدر ما ينتظر أن يلمس نتائجها، ولا تعنيه المؤشرات بمعزل عن انعكاساتها على واقعه اليومي. إن جوهر الإدارة العامة الحديثة هو أن تكون الخدمة في متناول المواطن، وأن تكون القرارات قابلة للقياس والتقييم، وأن تتحول الخطط إلى نتائج، وأن تبقى كرامة الإنسان واحتياجاته حاضرة في كل مستوى من مستويات صناعة القرار.
وعندما تناول جلالة الملك مسار التحديث الاقتصادي والمشروعات الكبرى، ثم أفرد للأمن المائي تأكيدًا صريحًا ومباشرًا ، كان الخطاب يلفت الانتباه إلى حقيقة أساسية: لا يمكن الحديث عن تنمية مستدامة دون اقتصاد قادر على توليد الفرص، وموارد تُدار بكفاءة، وتخطيط يستبق التحديات بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها. فالتحديث الاقتصادي ليس عنواناً إدارياً أو مجموعة من المشروعات المنفصلة، بل مسار متكامل يتطلب تسريع التنفيذ، وتحفيز الاستثمار، وتوسيع فرص التشغيل، وتعزيز الإنتاجية، وربط النمو الاقتصادي بتحسين حياة المواطنين. أما الأمن المائي، فقد جاء في الخطاب باعتباره أولوية وطنية تتصل مباشرة بالأمن الإنساني والاجتماعي والاقتصادي. فالمياه ليست ملفًا خدميًا عابرًا، وإنما مورد استراتيجي يرتبط باستدامة الحياة، واستقرار المجتمعات، وقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها. ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقف عند تنفيذ المشروعات المائية، بل تشمل حماية الموارد، وترسيخ ثقافة الاستخدام الرشيد، وتطوير الإدارة، والاستثمار في الحلول المستدامة، والعمل وفق خطط استباقية تضع حق الأجيال القادمة في صلب الحسابات الوطنية.
ولعل من أكثر محاور الخطاب اتصالًا بحياة المؤسسات وأدائها اليومي، تأكيد جلالة الملك أن الوظيفة العامة ليست تشريفًا يرفع صاحبها عن العمل أو خدمة الناس، وأنه لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه، أيًا كان موقعه. هذه الرسالة تضع مفهوم الخدمة العامة أمام مضمونه الحقيقي؛ فالموقع الوظيفي ليس امتيازًا شخصيًا، ولا وسيلة لاكتساب النفوذ، وإنما أمانة تقاس قيمتها بحجم ما يقدمه شاغلها من عمل، وما يتحمله من مسؤولية، وما يحققه من أثر في خدمة المواطنين. كما أن تأكيد سيادة القانون وأن القانون لا يعرف اسمًا أو منصبًا أو نفوذًا ، يعزز مبدأ المساواة أمام القانون، ويؤكد أن هيبة الدولة ترتبط بعدالة تطبيقه، وبقدرة المؤسسات على مساءلة المقصرين ومحاسبة المسيئين دون استثناء. ومن هنا، فإن الرسالة لا تتعلق بالإدارة العامة وحدها، بل بثقافة مؤسسية ينبغي أن تتجذر في مختلف مواقع العمل: ثقافة تجعل الإنجاز أساس التقدير، والنزاهة معيارًا للأداء، وخدمة المواطن جوهر المسؤولية.
ومن موقعي في الميدان التربوي، أجد أن من الضروري التوقف عند حضور التعليم في خطاب العرش، ليس بوصفه قطاعًا خدميًا ورد ضمن مجموعة من الأولويات، بل باعتباره أحد المحددات الأساسية لمستقبل الدولة وقدرتها على مواجهة التحولات. فحين يربط جلالة الملك التنمية الحقيقية بما يلمسه المواطن في تعليمه ومستقبل أبنائه، فإن هذه الإشارة تضع أمام المنظومة التربوية مسؤولية تتجاوز تقديم المعرفة إلى إعداد الإنسان القادر على التفكير والإبداع والإنتاج والمشاركة في بناء وطنه. إن التعليم في المرحلة الراهنة لم يعد مجرد عملية لنقل المعلومات أو استكمال المتطلبات الدراسية؛ بل أصبح عملية بناء متكاملة للقدرات، وتشكيل للوعي، وتنمية للمهارات، وترسيخ للقيم، وإعداد للأجيال للتعامل مع عالم سريع التغير. وهذا يفرض علينا أن ننظر إلى المدرسة باعتبارها مؤسسة لصناعة المستقبل، لا مجرد مكان لتلقي الدروس؛ وإلى المعلم باعتباره شريكًا أساسيًا في التنمية الوطنية، لا مجرد منفذ للمحتوى التعليمي؛ وإلى الطالب باعتباره طاقة وطنية ينبغي اكتشافها ورعايتها وتمكينها.
كما أن تطوير التعليم يتطلب مواءمة المعرفة مع المهارات، وتعزيز التفكير الناقد، والابتكار، والتحول الرقمي، والتعليم المهني والتقني، وربط مخرجات التعلم باحتياجات المجتمع والاقتصاد، مع المحافظة على الهوية الوطنية والقيم الأصيلة. ولذلك، فإن ترجمة هذه الرؤية إلى واقع تستدعي عملًا مؤسسيًا متكاملًا ، يبدأ من تطوير السياسات والمناهج، ويمتد إلى تمكين المعلم، وتحسين البيئة المدرسية، وتعزيز القيادة التربوية، وتوسيع الشراكة مع الأسرة والمجتمع، وصولًا إلى بناء منظومة تعليمية تقيس نجاحها بما تحدثه من تغيير في شخصية المتعلم وقدراته وفرصه المستقبلية. فالدولة التي تستثمر في تعليم أبنائها إنما تستثمر في أمنها الاقتصادي والاجتماعي، وفي قدرتها على المنافسة، وفي استدامة مؤسساتها. والإنسان الذي يمتلك المعرفة والمهارة والوعي هو الثروة التي تتجدد بها الأوطان.
وثمة بعد آخر لا يقل أهمية في قراءة مضامين الخطاب، يتمثل في المسؤولية الملقاة على عاتق الخطاب العام، والإعلام، ومختلف المنصات التي تسهم في تشكيل وعي المجتمع. ففي مرحلة تتسارع فيها المعلومات، وتتداخل فيها الأخبار مع الشائعات، وتنتشر فيها الآراء عبر وسائل التواصل الاجتماعي دون ضوابط مهنية في كثير من الأحيان، تصبح الكلمة مسؤولية وطنية وأخلاقية. ولا يعني ذلك تقييد الرأي أو مصادرة حق المواطن في التعبير، بل يعني تعزيز بيئة إعلامية تحترم الحقيقة، وتتحقق من المعلومات، وتبتعد عن الإثارة والتضليل، وتمنح الاختلاف مساحته الطبيعية بعيدًا عن الإساءة والتحريض. إن الإعلام المسؤول لا يكتفي بنقل الحدث، بل يسهم في تفسيره ضمن سياقه، ورفع مستوى الوعي به، وحماية المجتمع من الانجرار وراء المعلومات المضللة. كما أن المؤسسات التربوية والإعلامية تتكامل في بناء جيل يمتلك القدرة على التمييز والتحقق والحوار واحترام الرأي الآخر. فالكلمة قد تكون جسرًا للتفاهم، وقد تتحول، إذا غابت عنها المسؤولية، إلى أداة لإضعاف الثقة وإثارة الانقسام. ومن هنا، فإن حماية الوحدة الوطنية مسؤولية مشتركة تبدأ من وعي الفرد، وتمتد إلى الأسرة والمدرسة والمؤسسات والإعلام.
إن القراءة المتأنية لخطاب العرش السامي تكشف أن القضايا التي تناولها ليست ملفات منفصلة، بل حلقات مترابطة في معادلة بناء الدولة: أمن يحمي الاستقرار، ووحدة وطنية تصون المجتمع، وسياسة خارجية تحافظ على الثوابت، ومؤسسات دستورية تمارس مسؤولياتها، واقتصاد يوسع الفرص، ومياه تحمي استدامة الحياة، وقانون يصون العدالة، وتعليم يبني الإنسان. لكن الأهمية الحقيقية لأي رؤية وطنية لا تكتمل بمجرد وضوح أهدافها؛ فالمرحلة الأهم تبدأ بعد إعلان الأولويات، حين تتحول التوجيهات إلى برامج محددة، والبرامج إلى إجراءات، والإجراءات إلى نتائج يمكن قياسها ومساءلة الجهات المعنية عنها. وهنا تبرز مسؤولية الحكومة في تحديد الأولويات التنفيذية، ومسؤولية المؤسسات في ترجمة التوجهات إلى خطط عملية، ومسؤولية مجلس الأمة في التشريع والرقابة، ومسؤولية القيادات الإدارية في إحداث فرق حقيقي في مواقع عملها، ومسؤولية المواطن في المشاركة الواعية والإيجابية. فلا يمكن لمؤسسة أن تحقق أهدافها إذا انفصلت عن حاجات المجتمع، ولا يمكن لأي خطة أن تنجح إذا بقيت حبيسة التقارير، ولا يمكن لأي إصلاح أن يكتسب أثره المستدام دون وضوح المسؤوليات، ومتابعة التنفيذ، وتقييم النتائج، وتصحيح المسار عند الحاجة.
في المحصلة، لا يمكن اختزال خطاب العرش السامي في رسائله السياسية أو الأمنية أو الاقتصادية وحدها؛ فالمعنى الأوسع الذي تنتظم فيه هذه الرسائل هو أن بناء الدولة عملية مستمرة، تتطلب مؤسسات فاعلة، ومجتمعاً متماسكاً، وإدارة مسؤولة، وإنساناً واعياً بدوره وحقوقه وواجباته. لقد وضع الخطاب أمام الأردنيين صورة واضحة للأولويات التي ينبغي أن تتقدم العمل الوطني في هذه المرحلة، وأعاد التأكيد على أن قوة الأردن ليست شعاراً يقال، وإنما منظومة متكاملة من الثقة والوعي والانتماء وسيادة القانون والعمل والإنجاز.
ومن هنا، فإن الوفاء لمضامين خطاب العرش لا يكون بتكرار عباراته أو الاكتفاء بالإشادة بها، بل بأن يتحول كل موقع مسؤولية إلى مساحة فعل، وكل مؤسسة إلى شريك في الإنجاز، وكل مواطن إلى عنصر فاعل في حماية وطنه والمساهمة في تقدمه.
فالأوطان لا تُبنى بالخطابات وحدها، مهما بلغت أهميتها، وإنما بما يتبعها من عمل صادق، وقرارات مسؤولة، ومؤسسات تنجز، وقيادات تدرك أن المسؤولية ليست موقعاً يُشغَل، بل أثراً يُترك.
ويبقى الأردن، بقيادته الهاشمية، ومؤسساته الوطنية، ووعي أبنائه، أكبر من التحديات؛ لأن الأوطان التي تعرف أولوياتها، وتحافظ على ثوابتها، وتستثمر في إنسانها، تمتلك القدرة على مواصلة مسيرتها بثقة وثبات، وصناعة مستقبل يليق بأبنائها وتاريخها.
