شهدت قرية رنتيس غرب مدينة رام الله بداية قاسية لموسم قطف الزيتون هذا العام، حيث تحولت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية إلى ساحات للمواجهة والترقب. انطلق المزارعون برفقة متضامنين أجانب نحو منطقة خلة التين الشامي، في محاولة لاستصلاح أراضيهم التي عانت من الإهمال القسري خلال السنوات الأخيرة بسبب القيود المفروضة، والتي أدت إلى انتشار الأعشاب الضارة بين الأشجار المعمرة.
واضاف المزارعون أن الوصول إلى أراضيهم بات مغامرة محفوفة بالمخاطر نتيجة التوسع في الطرق الاستيطانية والبوابات الحديدية التي تقطع أوصال القرى الفلسطينية. وبينت الملاحظات الميدانية أن الجيش الإسرائيلي لم يكتفِ بفرض القيود، بل عمد إلى اقتحام المناطق الزراعية ومصادرة المحاصيل التي تم جمعها بجهد شاق، وطرد العائلات ومنعهم من إتمام موسمهم السنوي.
وأكد المشاركون أن هذه الممارسات تأتي في سياق سياسة ممنهجة لتهجير المزارعين عن أراضيهم، حيث تعاني الأشجار من ضعف الإنتاجية بسبب منع عمليات الحراثة والري الدورية. وأوضح الأهالي أن الأرض التي كانت مصدر رزق وتعليم للأبناء أصبحت اليوم مهددة بالاستيلاء، بعد أن نصب مستوطنون سياجا في محيط المنطقة وأغلقوا منافذ الوصول أمام أصحابها الشرعيين.
قصة كفاح في وجه التضييق
وقال تيسير الشيخ، وهو أحد المزارعين، إن زراعة أرضه بدأت منذ عقود طويلة، حيث كانت توفر له ولعائلته عوائد مادية ساهمت في تأمين تعليم أبنائه. واضاف أن الواقع تبدل تماما في العامين الأخيرين، مشيرا إلى تعرضه لاعتداءات جسدية مباشرة من قبل مستوطنين مسلحين ادعوا ملكية الأرض، رغم امتلاكه لكافة الأوراق الثبوتية التي تؤكد حقه في تلك الأشجار التي غرسها بيده.
وشدد الشيخ على أن الخسارة لا تقتصر على المحصول، بل تمتد لتشمل تدهور حالة الأشجار التي تفتقر للعناية اللازمة، حيث يضطر المزارعون للعمل تحت تهديد السلاح ومراقبة الطائرات المسيرة. وبين أن المستوطنين لم يكتفوا بمنع الوصول، بل أدخلوا قطعان الماشية إلى أراضي المزارعين، مما تسبب في إتلاف المحاصيل والمعدات الزراعية، وهو ما أدى إلى انخفاض حاد في كميات الزيت المنتجة سنويا.
وكشفت المعطيات الميدانية أن رحلة الوصول إلى الأراضي أصبحت تتم سيرا على الأقدام وبشكل سري، لتجنب لفت أنظار المستوطنين الذين يراقبون تحركات المزارعين من التلال المطلة. وأكد المزارعون أنهم يضطرون لإخفاء هوياتهم كصحفيين أو نشطاء لضمان سلامتهم، في ظل أجواء من التوتر الدائم التي تفرضها القوات الإسرائيلية والمستوطنون في المناطق الزراعية.
تضامن دولي في مواجهة القمع
وأظهرت التطورات الميدانية أن حضور المتضامنين الأجانب، رغم أهميته المعنوية، أصبح هدفا مباشرا لسلطات الاحتلال. وأوضح نشطاء دوليون أن وجودهم يهدف إلى توفير نوع من الحماية للمزارعين وردع الاعتداءات، إلا أنهم واجهوا حملة اعتقالات واسعة طالت عددا منهم، من بينهم المتضامن البرتغالي فريديريكو كاريرو والصحفي ريكاردو ريبيرو.
واكد رفاق المعتقلين أن السلطات الإسرائيلية قررت ترحيلهم قسرا بعد احتجازهم في مطار بن غوريون، في محاولة لثني المتضامنين عن مرافقة الفلسطينيين خلال موسم الزيتون. وأضافوا أن هذه الإجراءات تتزامن مع دعوات رسمية إسرائيلية لفرض أوامر إبعاد إدارية بحق كل من يحاول دعم المزارعين في أراضيهم، مما يعكس رغبة واضحة في عزل المناطق الفلسطينية وتسهيل السيطرة عليها.
وبينت التقارير أن ما يزيد عن 100 ألف شجرة زيتون تعرضت للتلف أو المنع من الوصول إليها خلال السنوات الأخيرة نتيجة اعتداءات الجيش والمستوطنين. وأكد المزارعون في رنتيس أنهم رغم كل محاولات الترهيب، سيظلون متمسكين بأرضهم، وسيبقون يجدون في مواسم القطف لحظات للصمود رغم قسوة الظروف ومرارة الاعتقال الذي يلاحقهم في حقولهم.
