تتجاوز معاناة مريضات سرطان الثدي في ليبيا حدود الالم الجسدي لتصل الى دهاليز نفسية معقدة يغفل عنها الكثيرون. وتجسد قصة هناء بودبوس مع شقيقتها فاطمة تفاصيل رحلة شاقة استمرت شهورا طويلة داخل اروقة المستشفيات. واظهرت تلك التجربة ان الخوف من المستقبل وتغيرات الجسد يمثلان عبئا لا يقل قسوة عن المرض ذاته. وبينما كانت فاطمة تحاول الحفاظ على تماسكها امام اطفالها. كانت نظرات عينيها تروي لأختها حكايات من التوجس والقلق الصامت الذي يرافق جلسات العلاج الكيميائي والاشعاعي. واكدت هناء ان اللحظات التي تلت اعلان الاطباء عن خلو جسد اختها من علامات المرض لم تمح تماما آثار تلك المعركة القاسية من ذاكرتهما.

واضافت الاحصائيات الصادرة عن المرصد العالمي للسرطان ان ليبيا شهدت تسجيل مئات الاصابات الجديدة بسرطان الثدي بين النساء خلال الفترات الاخيرة. وبينت البيانات ان نسبة كبيرة من هذه الحالات تم اكتشافها في مراحل متأخرة. مما يضاعف من التحديات العلاجية والنفسية التي تواجهها المريضات. واوضحت الارقام ان معدلات الوفاة جراء هذا المرض تفرض ضرورة ملحة لتسليط الضوء على اهمية الدعم النفسي والاجتماعي بجانب البروتوكولات الطبية.

وكشفت التجارب الميدانية ان المريضات اللواتي يتلقين دعما اسريا متفهما يمتلكن قدرة اعلى على مواجهة التقلبات العاطفية. واكدت هناء ان مرافقة مريضة السرطان تتطلب صبرا كبيرا وقدرة على قراءة احتياجاتها دون الحاجة للحديث. واشارت الى ان فاطمة وجدت في الصلاة واليقين بالله دافعا قويا للاستمرار والتمسك بالحياة من اجل رؤية ابنائها يكبرون. وبينت ان احترام رغبة المريضة في الصمت او الخصوصية يعد جزءا اساسيا من رحلة التعافي التي لا تقتصر على الجانب الطبي فقط.

جراح خفية لا تظهرها الفحوص الطبية

وبينت اختصاصية الطب النفسي ليا السيد ان تشخيص الاصابة بسرطان الثدي يثير عاصفة من المشاعر المتضاربة لدى النساء. واوضحت ان فقدان الشعر والتغيرات الجسدية تترك ندوبا عميقة في صورة المرأة عن نفسها وانوثتها. واكدت الطبيبة ان التقلب بين الامل والانهيار امر طبيعي ولا يعني ضعف الشخصية. وشددت على ضرورة ان يكون الدعم الاسري قائما على الاستماع الفعال وليس على فرض التفاؤل القسري الذي قد يزيد من عزلة المريضة. واضافت ان طلب المساعدة المتخصصة يصبح ضرورة قصوى في حال اثر الحزن على القدرة على ممارسة الحياة اليومية او النوم.

واشارت الطبيبة الى ان انتهاء العلاج الطبي لا يعني بالضرورة انتهاء التحديات النفسية. وبينت ان الخوف من عودة المرض يظل هاجسا يطارد الناجيات لفترات طويلة. واوضحت ان الاسرة تلعب دورا محوريا في اعادة بناء الطمأنينة للمريضة بعد رحلة العلاج. واكدت ان التوعية باهمية الصحة النفسية توازي في اهميتها الكشف المبكر عن الاورام.

وكشفت تجارب المرافقين انهم ايضا يدفعون ضريبة نفسية باهظة خلال رحلة مريضهم. واضافت هناء انها لم تجد من يلتفت الى حالتها النفسية رغم ما كانت تعانيه من توتر يومي. وبينت ان تبادل الخبرات بين المرافقين في المستشفيات كان يشكل متنفسا ضروريا لهم. واكدت ان الشخص الذي يمنح القوة لغيره يحتاج هو الاخر الى من يسنده ويحتوي مخاوفه.

ذاكرة الالم ودروس التجربة الانسانية

وذكرت ريان تنتوش التي عاشت تجربة اصابة والدتها بالسرطان منذ سنوات طويلة ان تلك الذكريات شكلت وعيها المبكر. واوضحت ان غياب الام للعلاج لفترات طويلة خلق فجوة عاطفية وتحديات في التواصل داخل الاسرة. واكدت ان اصابة الاب لاحقا بالمرض جعل الاسرة اكثر خبرة في التعامل مع الازمات الصحية. وبينت ريان ان دراستها للطب كانت مدفوعة برغبتها في تخفيف معاناة الاخرين. واضافت انها تعمل الان على مبادرات تهدف الى تسهيل الكشف المبكر وتوفير الاجهزة الطبية باسعار مناسبة. واكدت ان تحويل الالم الشخصي الى عمل مهني يمثل ارقى صور التعافي.

واكد الباحثون في المعهد الوطني للاورام ان المشاريع التجريبية للكشف المبكر في ليبيا بدأت تعطي نتائج واعدة. وبينت النتائج ان فحص مئات النساء في وقت مبكر ساهم في اكتشاف حالات في مراحل علاجية اولية. واوضحت الدراسات ان توسيع نطاق خدمات الفحص يقلل بشكل كبير من الاعباء الاقتصادية والنفسية على الاسر. واضافت ان الوعي المجتمعي هو الركيزة الاساسية لتقليل نسب الاصابات المتقدمة.

واوضحت هناء في ختام حديثها ان التجربة رغم قسوتها علمتها دروسا في الامتنان. وبينت ان الحياة لا تستحق ان نحرق اعصابنا من اجل تفاصيل زائلة. ووجهت رسالة لكل امرأة بان تهتم بجسدها ونفسها اولا. واكدت ان التعافي هو رحلة مستمرة تبدأ من التصالح مع الذات. واضافت ان كل ناجية هي زهرة مزهرة قادرة على تجاوز اصعب الظروف.