في مشهد يختزل قسوة الحرب وما تخلفه من ندوب غائرة في الوجدان، يروي المسعف عبد القادر احمد لحظات لا تمحى من ذاكرته حين وجد نفسه امام مهمة انتشال عائلته من تحت ركام منزلهم المدمر. كشف عبد القادر انه لم يكن يتوقع ان تتحول وظيفته الانسانية من انقاذ الغرباء الى البحث عن اشلاء اقرب الناس الى قلبه بين اكوام الحجارة والدمار. واكد المسعف ان هذه التجربة تركت في نفسه صراعا وجوديا بين واجب المهنة ومرارة الفقد الشخصي الذي لا يجد له وصفا.
واضاف عبد القادر انه عاش لحظات من التمزق العاطفي حين اضطر للتعامل مع جثامين عائلته كمسعف مهني يحاول تجميع الاشلاء وتكفينها لضمان كرامة موتاه. وبين ان هذه اللحظات اجبرته على تجميد مشاعره تماما لكي يتمكن من اتمام المهمة الصعبة، موضحا ان ذاكرته لا تزال تحتفظ بتفاصيل دقيقة لكل قطعة وجدها تحت الركام، وكأن الحرب قررت ان تسكن في روحه الى الابد.
وشدد على ان كل شارع في مدينته بات يحمل قصة استهداف او نجاة، مشيرا الى ان الحرب لم تكن مجرد حدث عابر بل صارت جزءا من تضاريس حياته اليومية التي تشكلت تحت وطأة القصف المستمر. واظهرت شهادته حجم التحدي النفسي الذي يواجهه من عاشوا الموت من مسافة صفر، حيث يختلط الالم بالذكريات التي ترفض الرحيل.
ما وراء اكفان الشهداء
وكشف المكفن عبد الكريم جاسر عن جانب اخر من المأساة، حيث يرى الموت عيانا منذ سنوات ويتحسسه في كل شهيد يغسله ويكفنه. واكد ان قلبه لا يزال يرتجف رهبة من الموت في كل مرة، نافيا ان تكون المشاعر قد تبلدت رغم كثرة المشاهد القاسية التي يراها يوميا. واوضح ان كل شهيد يظل بالنسبة اليه انسانا له حرمته وقصته التي تترك اثرا عميقا لا يزول بمرور الوقت.
واضاف المكفن عطية الدبور انه لا يزال يعاني من اصوات صراخ الامهات والاطفال التي تتردد في اذنيه كاشباح لا تفارقه. وبين ان صدمة الفقد لا تقتصر على الموت نفسه، بل تمتد لتشمل ذكريات الجوع والحرمان التي كانت تسبق لحظات الوداع الاخير. واكد ان هذه الذكريات تلاحقه حتى في منزله وبين اطفاله الذين ينتظرون منه ان يعود كأب طبيعي بعيدا عن ضجيج الجنائز.
واظهرت هذه الشهادات ان التعامل مع الموتى ليس وظيفة روتينية، بل هو عبء نفسي ثقيل يرافق العاملين في هذا المجال في كل تفاصيل حياتهم الخاصة. واوضح المكفنون انهم يحاولون التمسك بإنسانيتهم رغم كل ما يحيط بهم من دمار وخراب يطال كل شيء.
ذاكرة الاطباء وصراع البقاء
وكشف الدكتور معتز حرارة، رئيس قسم الطوارئ، عن الوجه الاخر للحرب داخل المستشفيات حيث كان يواجه الموت وهو عاجز عن انقاذ الجميع بسبب نقص الامكانيات. واكد ان اكثر المشاهد قسوة كانت تتمثل في الاضطرار للاختيار بين من يعيش ومن يموت، وهو ما يلاحقه في يقظته ومنامه. واوضح ان هول الاحداث كان يفرض على الطاقم الطبي العمل بذاكرة مفرغة لمواجهة ضغوط اليوم التالي.
واضاف الطبيب ان وفرة الموت جعلت وقعه مختلفا، لكن الاطباء حرصوا دائما على التذكير بضرورة عدم اعتياد المشهد للحفاظ على كرامة المرضى. وبين انهم كانوا يواسون بعضهم بالقول ان كل مريض هو بمثابة فرد من العائلة، وذلك لمقاومة التبلد العاطفي الذي قد يفرضه الواقع القاسي. واكد ان المسؤولية الادارية والانسانية كانت هي الدافع الوحيد لاستمرارهم في اداء واجبهم رغم الارهاق الشديد.
واظهرت هذه التجارب ان العاملين في القطاع الصحي عاشوا صراعا مضاعفا بين انقاذ الارواح ومواجهة الظروف المعيشية الصعبة كالنزوح والجوع. واكد حرارة ان طاقته للعمل لم تعد كما كانت، لكنه يصر على الاستمرار كنوع من المقاومة ضد محاولات كسر ارادة الحياة.
رائحة الموت والتعافي النفسي
وكشفت الممرضة شروق الرنتيسي ان الموت ليس مجرد مشهد بصري، بل هو رائحة لا تفارق المكان، حيث تصفها برائحة الدم والبارود واللحم المتحلل. واكدت انها عاشت صراعا مريرا بين عاطفتها كأنثى وبين متطلبات العمل في ظل ظروف قاسية جدا. واوضحت ان فقدان الزملاء والاطفال كان بمثابة ضربات موجعة جعلت من الصعب عليها استيعاب كل ما حدث من مآس.
واضاف الاختصاصي النفسي سعيد الكحلوت ان الانسان لا يمكنه ان يبقى في حالة فزع دائم، لذا يلجأ العقل لتقليص مساحة الاحساس كآلية دفاعية للبقاء. وبين ان الناس لا يعتادون الموت حقا، بل يتعلمون كيف يمرون بجواره لكي يستطيعوا العيش. واكد ان التعافي لا يعني النسيان، بل يعني ان تصبح الحرب جزءا من قصة الانسان وليس قصته كلها.
واظهرت التحليلات النفسية ان الغزيين يملكون قدرة مذهلة على اعادة بناء المعنى والامان بعد انقشاع غبار المعارك. واكد الكحلوت ان استعادة التوازن ممكنة تدريجيا، شريطة ان تأخذ الذكرى مكانها الصحيح في الماضي دون ان تحتل الحاضر بالكامل. واوضح ان الهدف هو ان يحزن الانسان دون ان ينهار، ليبقى قادرا على مواصلة الحياة.
