تواصل الاجهزة الامنية والقضائية في العراق تنفيذ حملة اعتقالات واسعة تستهدف مسؤولين متورطين في قضايا فساد مالي واداري كبير، حيث يطرح هذا التحرك تساؤلات ملحة حول حجم الخسائر الاقتصادية التي تكبدتها خزينة الدولة على مدار العقدين الماضيين. وتكشف المعطيات الحالية ان الحملة طالت حتى الان 21 مسؤولا رفيع المستوى، مع استمرار ملاحقة اخرين متورطين في تبديد موارد البلاد، في وقت تشير فيه التقديرات الى ان الاموال المنهوبة تتجاوز بمراحل ما تم الاعلان عنه رسميا.

واكد رئيس الوزراء العراقي خلال جلسة مجلس الوزراء ان الحكومة عازمة على المضي قدما في مسار مكافحة الفساد واسترداد المال العام، مبينا ان هناك حراسا اقوياء من الاجهزة الرقابية والقضائية يتابعون هذه الملفات بدقة. واضاف ان الدولة لن تتهاون في ملاحقة المتورطين، مشددا على ان استعادة هذه الاموال تمثل اولوية قصوى لتعزيز الاقتصاد الوطني ومنع استنزاف الموارد التي يحتاجها الشعب في مجالات التنمية والاعمار.

وبينت تقارير اقتصادية ان الفساد لم يقتصر على سرقة المال العام فحسب، بل امتد ليعطل مشاريع استراتيجية حيوية في بلد يمتلك ثروات نفطية هائلة. واوضح خبراء ان الفساد توسع بشكل غير مسبوق بعد عام 2018، حيث تضاعفت كلف شراء المناصب الوزارية الى ارقام فلكية، مما يعكس حجم التغلغل الذي اصاب مفاصل الدولة، ويؤكد ان الاموال المنهوبة قد اندمجت في اقتصادات خارجية يصعب استردادها بسهولة.

خسائر تريليونية تعيق التنمية

وكشف خبراء اقتصاديون ان الكلفة التقديرية للفساد في العراق قد تصل الى اكثر من تريليون دولار، وهو رقم ضخم كان كفيلا ببناء دولة متطورة بمواصفات عالمية. واشار المختصون الى ان هذه الاموال المهربة كانت ستكفي لإنشاء آلاف المدارس والمستشفيات التي يعاني العراق من نقص حاد فيها منذ عقود، لافتين الى ان الفساد تسبب في تراجع الخدمات العامة رغم الميزانيات الانفجارية التي خصصت للقطاعات الخدمية.

واضاف المحللون ان ما تم ضبطه في قضايا المسؤولين الحاليين لا يمثل سوى جزء يسير من الفاتورة الاجمالية، مبينا ان تلك الاموال لو استثمرت في مشاريع صناعية لخلق فرص عمل لآلاف الشباب، لساهمت في تقليل معدلات البطالة بشكل كبير. وشدد الخبراء على ان استمرار هذه الممارسات حرم الاجيال الجديدة من حقوقها في تعليم وصحة وبنية تحتية لائقة.

ابعاد الفساد وتحديات الاسترداد

واظهرت التحليلات ان الفساد في العراق تحول الى منظومات متكاملة لا ترتبط باشخاص فقط، مما يجعل محاربته تتطلب نفسا طويلا واصلاحات جذرية في النظام التشريعي والرقابي. واوضح مختصون ان الحملة الحالية تمثل خطوة مهمة، لكنها بحاجة الى دعم مجتمعي مستمر لتحويل مكافحة الفساد الى نهج مؤسسي ثابت بدلا من كونه حملة مؤقتة تهدف الى امتصاص غضب الشارع.

واضافت المصادر ان الحكومة وجهت وزارة المالية بفتح حساب خاص لإيداع الاموال المستردة، مؤكدة استمرار التنسيق مع الجهات العدلية لاستعادة الاموال الموجودة في الخارج. واكد المراقبون ان نجاح هذه الحملة مرهون بقدرة القضاء على تفكيك شبكات الفساد والوصول الى الرؤوس الكبيرة، معتبرين ان استرداد الاموال هو الاختبار الحقيقي لقدرة الدولة على استعادة هيبتها وتصحيح مسارها الاقتصادي المتعثر.