بقلم: عوني الرجوب – باحث وكاتب سياسي

في كل حرب تثار الأسئلة حول من يملك السلاح الأقوى، ومن يملك الطائرات الأكثر تطوراً، ومن يملك الدعم الدولي الأوسع.

لكن في الحرب النووية، يسقط كل هذا، ويبقى سؤال واحد فقط:

*من يستطيع أن يبقى بعد الضربة؟*

وهنا يظهر الفرق الحقيقي بين إيران وإسرائيل، ليس فرقاً في السلاح، بل فرقاً في الجغرافيا والوجود.

*إيران: دولة قد تُدمَّر ولا تختفي*

إيران ليست نظاماً سياسياً، وليست مدينة واحدة.

هي دولة بمساحة 1,648,195 كم2، وعدد سكانها يتجاوز 90 مليون نسمة، موزعون على 31 محافظة، وعشرات المدن الكبرى: طهران، مشهد، أصفهان، شيراز، تبريز، قم، كرمان، الأهواز.

نعم، قد تتعرض إيران لضربات نووية مدمرة. قد تُمحى مدن من الوجود، وقد يسقط النظام، وقد ينهار الاقتصاد.

لكن إيران ليست طهران وحدها.

إذا سقطت طهران، بقيت مشهد. وإذا سقطت مشهد، بقيت شيراز وتبريز وأصفهان. وسيبقى أكثر من 89 مليون إيراني، وستبقى أرض تمتد 2000 كم من الشمال إلى الجنوب، وجبال زاغروس، وهضاب وسط إيران، وصحراء لوط.

إيران تملك دائماً مكاناً تبدأ منه من جديد.

وهذا ليس تحليلاً نظرياً، بل تاريخ. إيران تعرضت للغزو المغولي، والحرب مع العراق ثماني سنوات، والعقوبات الأمريكية 45 سنة، ولم تختفِ.

لأن إيران حضارة عمرها 2500 سنة. الأنظمة تسقط، لكن الحضارات لا تسقط.

*إسرائيل: كيان قد يخسر وجوده بضربة واحدة*

على الطرف الآخر، تقف إسرائيل بمعادلة مختلفة تماماً.

مساحتها 22,072 كم2 فقط، أي أنها أصغر من محافظة معان الأردنية، وأصغر من 1.3% من مساحة إيران. إيران أكبر منها بـ 75 مرة.

والأخطر من المساحة هو التركّز.

يعيش 80% من سكان إسرائيل، البالغ عددهم 9.5 مليون، في شريط ساحلي ضيق يمتد من عكا شمالاً إلى أسدود جنوباً، عرضه في بعض المناطق لا يتجاوز 15 كم.

تل أبيب، حيفا، القدس، بئر السبع، كلها متلاصقة. لا يوجد عمق استراتيجي، ولا محافظات بعيدة، ولا جبال يهرب إليها السكان، ولا أرض واسعة تعيد بناء الدولة منها.

في هذه الجغرافيا، قنبلة نووية  واحده على تل أبيب لا تصيب مدينة، بل تصيب المركز الاقتصادي والسياسي والعسكري للدولة كلها.

وقنبلة على مفاعل ديمونا لا تصيب منشأة، بل تجعل النقب كله منطقة ملوثة لعشرات السنين.

إسرائيل لا تحتاج إلى عشر قنابل لتختفي. قنبلة واحدة على تل أبيب، وواحدة على ديمونا، كافية لتنتهي فكرة الدولة ووجودها .

*أمريكا وإسرائيل: الخاسر الأكبر*
من يقرأ المشهد بعمق، يدرك أن الحرب النووية لن تكون خسارة لإيران وحدها.

إيران قد تخسر نظاماً، لكن إسرائيل قد تخسر وجوداً.
إيران قد تخسر معركة، لكن إسرائيل قد تخسر الدولة.

أما أمريكا، فستكون أمام اختبار تاريخي لمصداقيتها وهيبتها. فإذا دخلت الحرب ولم تستطع إنهاء إيران، سيثبت للعالم أن القوة الأمريكية لها حدود، وأن عصر الهيمنة المطلقة قد انتهى.

*مختصر القول*
في الحرب التقليدية، قد تكون إسرائيل أقوى بفضل سلاح الجو الأمريكي.
أما في الحرب النووية، فالمعادلة تنقلب.

لأن النصر فيها لا يُقاس بمن ضرب أكثر، بل بمن بقي بعد الضربة.

إيران دولة تستطيع أن تُضرب وتعود.
إسرائيل كيان إذا ضُرب، لن يجد مكاناً يعود إليه.

وإن وقعت هذه الحرب، ستكون نهاية إسرائيل وتحييد أمريكا، ولن تُعتبر بعدها قوة عظمى.

فالحرب التي أرادوها لتغيير الشرق الأوسط، ستغيّر العالم كله. وستسقط معها أسطورة القوة الأمريكية التي لا تُقهر، وأسطورة الدولة التي لا تُهزم.

إنها لن تكون حرباً على إيران فقط، بل ستكون بداية نهاية النظام الذي قام على حماية إسرائيل، ونهاية عصر اعتبار أمريكا قوة عظمى قادرة على فرض إرادتها على الشعوب.

*نحن نراقب المشهد ونقرأ ما وراء الأحداث*