د. حازم قشوع
في كيب تاون حيث راس الرجاء الصالح تستعيد جنوب
أفريقيا ذاكرة نضالها ضد نظام الفصل العنصري، جاءت كلمة الملكة رانيا العبدالله أمام مؤتمر «ون يونغ وورلد» العالمي للشباب، لتضع قضية الحرية أمام اختبارها الإنساني والسياسي، وتعيد طرح السؤال الذي لا يزال يشغل ضمير العالم: كيف يمكن للإنسانية أن تتحدث عن الحرية فيما لا يزال الشعب الفلسطيني ينتظر حريته؟.
لقد حملت مشاركة الملكة رانيا في هذا المحفل الدولي، الذي جمع أكثر من 2200 شاب وشابة من أكثر من 190 دولة، دلالات تتجاوز إطار المشاركة البروتوكولية، خصوصا أنها خاطبت جيلا جديدا يتشكل وعيه في فضاء معرفي مفتوح، تتداخل فيه التكنولوجيا مع القيم الإنسانية، وتتراجع فيه قدرة الخطاب التقليدي على احتكار الحقيقة أو تغييب الوقائع.
وكان لافتا أن تركز الملكة على ازدواجية المعايير، وأن تدعو الشباب إلى عدم السماح بإسكات أصواتهم عند التعبير عن رفض الظلم، مؤكدة أن الغضب من الظلم ليس ضعفا، وأن الوقوف إلى جانب الآخرين ليس مجرد تعبير عاطفي، بل مسؤولية إنسانية. وهي بذلك أنما تعيد وضع قضية فلسطين في سياقها الحقوقي والإنساني، بعيدا عن محاولات اختزالها في خلاف سياسي أو صراع جغرافي.
ولعل اختيار كيب تاون يحمل دلالة تاريخية عميقة، فهي المدينة التي تستضيف مؤتمرا عالميا للشباب بالتزامن مع الذكرى الخمسين لانتفاضة سويتو، التي شكلت محطة مهمة في مسيرة مقاومة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. ومن هذه الأرضية استحضرت الملكة رانيا مقولة نيلسون مانديلا عام 1997، بأن حرية جنوب أفريقيا لن تكتمل دون حرية الفلسطينيين، لتعيد وصل التجربتين في إطار المبدأ الإنساني الذي لا يقبل تجزئة الحرية.
إن المقارنة هنا لا تتعلق بتطابق التجارب التاريخية أو اختلاف ظروفها، وإنما بما تحمله من قيمة حقوقية، فحق الشعوب في الحرية والكرامة وتقرير المصير لا يخضع لمعايير انتقائية، ولا يجوز أن يتغير تبعا لهوية الضحية أو موقعها الجغرافي أو طبيعة انتمائها.
وهذا ما يجعل القضية الفلسطينية اليوم معيارا لصدقية النظام الدولي في تطبيق القانون الدولي، واحترام حقوق الإنسان، وحماية المدنيين، بعيدا عن ازدواجية المعايير التي تجعل بعض الحقوق قابلة للتأجيل، وبعض المظالم قابلة للتجاهل.
كما أن مخاطبة الشباب في هذا التوقيت تكتسب أهمية خاصة، فالأجيال الجديدة لم تعد تستقي معرفتها من مصدر واحد، وإنما باتت تتحرك عبر الفضاء السيبراني، وتتعامل مع المعلومات والصور والتقارير بصورة مباشرة، فيما أسهم الذكاء الاصطناعي في توسيع فضاء المعرفة والتواصل، وأصبح من الصعب حصر القضايا الإنسانية ضمن رواية واحدة أو حدود سياسية مغلقة.
من هنا، فإن الرهان على وعي الشباب لم يعد رهانا على المستقبل وحده، بل أصبح جزءا من معادلة التأثير في
الحاضر، حيث تتقدم المواطنة الإنسانية، وتتسع مساحة القيم المشتركة، وتصبح العدالة معيارا لقياس صدقية المواقف الدولية...لقد أعادت الملكة رانيا من كيب تاون التأكيد على أن فلسطين ليست قضية تخص الفلسطينيين وحدهم، وإنما قضية تتصل بمعنى الحرية وصدقية القانون الدولي ومفهوم العدالة الإنسانية. فالعالم الذي يحتفل بانتصارات الشعوب على التمييز لا يستطيع أن يتعامل مع حرية الشعب الفلسطيني باعتبارها استحقاقا مؤجلا أو مطلبا قابلا للمساومة.
فالحرية لا تكتمل بتجزئتها، والعدالة لا تستقيم بانتقائيتها، والمواطنة الإنسانية لا يمكن أن تكون قيمة عالمية إذا بقيت حقوق بعض الشعوب خارج نطاقها. ولذلك فإن حرية فلسطين ليست خاتمة لقضية سياسية فحسب، بل هي جزء من اكتمال المعنى الإنساني للحرية ذاتها وهذا ما تشكله مسؤوليه حمل العلم الفلسطيني الذى يحمل كل تلك المعاني والرمزية وهذا ما يجعلنا نحمل روح "التصدى" لمقاومة العنصرية والوحشية والاضطهاد ونهتف عاليا الحرية لفلسطين الابية .
