استقبل مجمع ناصر الطبي في غزة جثمان رجاء سمور الذي عاد الى عائلته داخل كيس محكم الاغلاق بعد رحلة اعتقال قاسية دامت سنوات في سجون الاحتلال. وقف الطفلان اسيل وريان امام جثمان والدهما غير مصدقين للمشهد الصادم حيث كانا يتمسكان بامل عودته حيا رغم قسوة الظروف التي مروا بها منذ اندلاع الحرب. كشفت المعاينة الاولية عن تغير كامل في ملامح الضحية نتيجة التعذيب الممنهج الذي تعرض له خلال فترة احتجازه التي انتهت بوفاته تحت وطاة الاهمال الطبي المتعمد.
واضافت خلود قويدر شقيقة زوجة الراحل ان رجاء كان يعاني من امراض مزمنة كالسكر والضغط ولم يتلق اي رعاية صحية داخل السجن بل واجه صنوفا من التنكيل والضرب الوحشي. واكدت شهادات موثقة من معتقلين مفرج عنهم ان الراحل لفظ انفاسه الاخيرة بين يدي زميل له كان يصرخ طلبا للعلاج دون استجابة من السجانين الذين زادوا من وتيرة الاعتداءات بدلا من تقديم الاسعافات اللازمة له.
وبينت خلود ان الطفلين اسيل وريان لم يفقدا والدهما فحسب بل عاشا مأساة فقدان والدتهما وشقيقيهما في قصف استهدف منزل نزوحهم بدير البلح في وقت سابق. واوضحت انها تولت رعاية الطفلين كوصية اخيرة من شقيقتها الراحلة واصرت على ان يكونا جزءا من حياتها الجديدة باعتبارهما الامل الوحيد المتبقي من العائلة التي تشتتت بفعل الحرب والاعتقال.
معركة قانونية لاستعادة الجثامين
وشددت العائلة على ان استلام الجثمان جاء بعد معركة قانونية شاقة استمرت نحو ثلاث سنوات من المتابعة والضغط المستمر. واشارت الى ان هذه العملية تمت اخيرا عبر تنسيق مع اللجنة الدولية للصليب الاحمر لينهي بذلك فصلا من الغموض حول مصير الاب الذي غاب عن اطفاله طويلا ليعود اليهم جثة هامدة وسط حزن وقهر لا يوصف.
واكد علاء السكافي مدير مؤسسة الضمير لحقوق الانسان في غزة ان ملف احتجاز جثامين الشهداء يعد من اكثر القضايا تعقيدا وايلاما للعائلات الفلسطينية. وكشف ان البيانات المتاحة تشير الى احتجاز جثامين عشرات الفلسطينيين الذين ارتقوا داخل مراكز الاعتقال منذ بدء الحرب مشددا على ان الارقام الحقيقية قد تكون اكبر بكثير نظرا لسياسة الاخفاء القسري التي تتبعها سلطات الاحتلال.
واوضح السكافي ان المؤسسات الحقوقية تواجه تحديات كبيرة في توثيق الحالات بسبب غياب المعلومات الرسمية من الجانب الاسرائيلي. وذكر ان احتجاز الجثامين لا يقتصر على الثلاجات فحسب بل يمتد الى ما يعرف بمقابر الارقام كسياسة عقاب جماعي تهدف للضغط على العائلات واستخدامها ورقة للمساومة في ملفات تفاوضية.
سياسة التعذيب والاهمال الطبي
واضاف الحقوقي ان التقارير والشهادات الميدانية تؤكد ان الوفيات داخل السجون مرتبطة بشكل مباشر بعمليات التعذيب والمعاملة الحاطة بالكرامة والاهمال الطبي المتعمد. وشدد على ضرورة تحرك المجتمع الدولي للكشف عن مصير المفقودين وضمان تسليم جثامين الشهداء لذويهم لدفنهم بطريقة تليق بكرامتهم الانسانية.
وكشفت الاحصائيات الاخيرة ان الحرب الاسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة منذ اكتوبر الماضي خلفت عشرات الالاف من الشهداء والجرحى. واظهرت تلك الارقام حجم الكارثة الانسانية التي يعيشها القطاع في ظل استمرار العمليات العسكرية التي تستهدف البشر والشجر والحجر دون تمييز.
واكدت مصادر طبية ان استمرار هذه السياسات يفاقم من معاناة الناجين الذين فقدوا ذويهم في ظروف غامضة. وبينت ان الجهود المحلية والدولية لا تزال قاصرة عن وضع حد لهذه الانتهاكات التي تخالف كافة المواثيق والاعراف الدولية المتعلقة بحقوق الاسرى وحماية المدنيين في اوقات الحروب.
