يواجه الاقتصاد الامريكي اليوم تحديا ماليا غير مسبوق مع اقتراب الدين العام من حاجز 39 تريليون دولار، وهو رقم يمثل قفزة تاريخية هائلة مقارنة بـ 71 مليون دولار فقط كانت تمثل اجمالي الديون عند تأسيس الدولة الامريكية. وتكشف المعطيات الراهنة أن هذا التضخم المالي لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتيجة تراكمات طويلة ارتبطت بالحروب والازمات العالمية وبرامج الانفاق الحكومي التي شكلت ملامح المسار الاقتصادي لواشنطن عبر الزمن.
واضاف المحللون أن هذا الدين تحول من اداة لادارة الدولة في مراحلها الاولى الى معضلة هيكلية تثير قلق الاسواق العالمية، خاصة في ظل تزايد تكاليف خدمة الدين التي باتت تلتهم جزءا كبيرا من الايرادات الفيدرالية. وبينت البيانات ان استدامة هذا الوضع المالي اصبحت تحت المجهر، وسط تساؤلات حول قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على وتيرة الاقتراض الحالية دون التعرض لهزات اقتصادية عنيفة.
واكد الخبراء ان قوة الدولار كعملة احتياط عالمية ومكانة السندات الامريكية كأصول امنة هي التي تمنح واشنطن حتى الان هامشا للحركة لا تمتلكه دول اخرى، ولكن هذا الامتياز لا يعني غياب المخاطر على المدى الطويل. وأظهرت التقديرات ان اتساع العجز المالي يضع صناع السياسات أمام خيارات صعبة تتطلب موازنة دقيقة بين دعم النمو الاقتصادي وضبط الانفاق العام.
رحلة الدين من الاستقلال الى الهيمنة المالية
وكشفت السجلات التاريخية ان بداية الدين العام تعود الى عام 1790 حين قرر الكسندر هاملتون توحيد ديون الولايات لتمويل استقلال البلاد، واصفا اياها بثمن الحرية. وشدد المراقبون على ان فترات الحرب كانت دائما المحرك الاكبر للديون، حيث قفزت الارقام بشكل جنوني خلال الحرب الاهلية والحربين العالميتين، وصولا الى مستويات قياسية تجاوزت فيها الديون حجم الناتج المحلي الاجمالي.
واوضح التقرير ان العصر الحديث شهد تحولا نوعيا، حيث ساهمت ازمة 2008 وجائحة كورونا في تسريع وتيرة الاقتراض بشكل غير مسبوق، مما جعل الولايات المتحدة تضيف تريليونات الدولارات الى سجل ديونها في فترات زمنية قياسية. وبينت المتابعات ان الانتقال من تريليون الى عشرات التريليونات لم يستغرق عقودا طويلة كما كان في السابق، بل أصبح يحدث في غضون سنوات قليلة بفعل سياسات الانفاق الطارئ.
واشار الباحثون الى ان الدين العام الامريكي لم يعد مجرد رقم عابر، بل اصبح سمة ثابتة في الهيكل المالي للبلاد، وهو ما يعقد مهمة الحكومة في المستقبل في ظل غياب رؤية واضحة لكيفية تقليص هذا العجز الضخم دون التأثير على الاقتصاد الكلي.
مخاطر الاقتراض وتحديات المستقبل
وكشف الاقتصاديون ان المقارنة مع دول مثل اليابان تظهر ان ارتفاع نسبة الدين الى الناتج المحلي ليس بالضرورة نهاية المطاف، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في ارتفاع اسعار الفائدة وتكاليف خدمة هذه الديون. وأضاف المتخصصون أن جزءا كبيرا من اموال دافعي الضرائب اصبح يوجه لسداد الفوائد بدلا من الاستثمار في البنية التحتية والخدمات العامة.
واكدت الدراسات ان استمرار هذا المسار قد يؤدي مستقبلا الى ازمة ثقة في الاسواق المالية، مما يرفع تكاليف التمويل ويضغط على قطاعات واسعة تبدأ من قروض الافراد وصولا الى تمويل الشركات الكبرى. وبينت التحليلات ان توقيت حدوث مثل هذه الازمات يبقى امرا غير قابل للتنبؤ بدقة، لكن المؤشرات الحالية تدق ناقوس الخطر بوضوح.
واظهرت التوقعات ان الدين العام قد يتجاوز 40 تريليون دولار في الاشهر المقبلة اذا استمرت وتيرة الانفاق الحالية، مما يفرض على الادارة الامريكية ضرورة اعادة النظر في استراتيجياتها المالية لضمان الاستقرار الاقتصادي والمالي في العقود القادمة.
