حققت مجموعة من القوى السياسية والمدنية السودانية اختراقا لافتا في مسار الازمة الوطنية بعد توصلها الى رؤية مشتركة تهدف الى وضع اسس متينة لعملية سياسية تفضي الى وقف الحرب وبناء نظام حكم ديمقراطي مدني، وجاء هذا التوافق عقب سلسلة من المشاورات المكثفة التي جمعت اطرافا كانت تتباعد مواقفها بشكل حاد منذ اندلاع الصراع المسلح في البلاد.

واصدرت هذه القوى بيانا مشتركا ضم تحالفات متباينة منها تحالف صمود بقيادة عبد الله حمدوك والكتلة الديمقراطية الحليفة للجيش السوداني الى جانب حزب البعث العربي الاشتراكي وعدد من الشخصيات المهنية والشبابية، واكدت هذه الاطراف ان الهدف الاساسي هو الوصول الى سلام شامل يحافظ على سيادة السودان ووحدة اراضيه بعيدا عن الاستقطاب الحاد الذي ساد المشهد طوال الفترة الماضية.

وبينت القوى المشاركة انها سلمت مسودة الرؤية المتفق عليها الى الآلية الخماسية الدولية التي تضم الامم المتحدة والاتحاد الافريقي وجامعة الدول العربية والاتحاد الاوروبي ومنظمة ايغاد، واوضحت ان هذه الخطوة تعبر عن ارادة وطنية خالصة لفتح طريق نحو تسوية سياسية تعيد ترتيب البيت الداخلي وتنهي المعاناة الانسانية للمواطنين.

مسارات الحل واللجنة التحضيرية

واضافت القوى السياسية انها اتفقت على تشكيل لجنة تحضيرية تضم نحو اربعين عضوا لتمثيل التنوع الجغرافي والاجتماعي والمهني في البلاد، وشددت على ان مهمة هذه اللجنة ستتركز في تحديد اطراف العملية السياسية وصياغة اجندة الحوار الوطني ووضع منهجية واضحة تضمن مشاركة جميع المتضررين من الحرب بما في ذلك النازحين واللاجئين.

واكدت الرؤية المشتركة على ضرورة اعتماد ثلاثة مسارات متوازنة تبدأ بالجانب الانساني عبر فك الحصار عن المدن وفتح ممرات آمنة للمساعدات، واوضحت ان المسار الثاني يركز على الجانب الامني بوقف اطلاق نار انساني يستند الى اعلان جدة تحت رقابة دولية، بينما يتناول المسار الثالث اطلاق حوار شامل يعالج جذور الازمة ويؤسس لعقد اجتماعي جديد.

وكشفت الوثيقة عن اجراءات لبناء الثقة تسبق انطلاق العملية السياسية ومنها اطلاق سراح المحتجزين والاسرى ووقف المحاكمات السياسية المرتبطة بالحرب، واكدت الاطراف المشاركة على ثبات موقفها باستبعاد حزب المؤتمر الوطني والحركة الاسلامية من اي ترتيبات سياسية مستقبلية باعتبار ذلك مطلبا جوهريا لنجاح الفترة الانتقالية.

مواقف القوى وتحديات المستقبل

وبين قياديون في الكتلة الديمقراطية ان المشاركة في هذه الاجتماعات تعكس رغبة حقيقية في الخروج من نفق الحرب، واشاروا الى ان التوافق الذي تم التوصل اليه يمثل خطوة متقدمة جدا بالرغم من رفض بعض المكونات الجلوس مع اطراف معينة مرتبطة بقوات الدعم السريع، مما يظهر تعقيدات المشهد السياسي الحالي.

واوضح الامين العام لحزب الامة القومي الواثق البرير ان اللقاءات استهدفت بالدرجة الاولى ترتيب البيت السوداني وتوحيد الرؤى حول كيفية ادارة الفترة القادمة، وشدد على ان نجاح هذه المبادرة مرهون بمدى التزام الاطراف ببنود الوثيقة والابتعاد عن الخطاب التصعيدي الذي يعيق مساعي السلام.

وخلصت المداولات الى ان وحدة السودان وسيادته هي خط احمر لا يمكن التنازل عنه، واكد المجتمعون ان الربط بين المسارات الانسانية والامنية والسياسية يمثل حزمة متكاملة لا بديل عنها لاستعادة مسار الانتقال الديمقراطي وتجاوز الاثار الاجتماعية والنفسية العميقة التي خلفتها الحرب في نفوس السودانيين.