بقلم : المهندس جهاد عبوي

أصبحت البيئة والمناخ اليوم من أبرز التحديات التي تواجه العالم، لما لها من تأثير مباشر على التنمية والاستقرار والأمن المائي والغذائي. من هنا بات العمل البيئي مسؤولية مشتركة تتطلب شراكة فاعلة بين مختلف المؤسسات والقطاعات.

في الخامس من حزيران من كل عام، يتجاوز اليوم العالمي للبيئة طابعه الاحتفالي ليشكل مناسبة عالمية لمراجعة السياسات البيئية والمناخية، وقياس مدى قدرة الدول على تحويل التزاماتها وتعهداتها إلى خطوات تنفيذية تسهم في حماية البيئة وتعزيز الاستدامة.

ويأتي شعار هذا العام "العمل من أجل المناخ اليوم" ليؤكد أن أزمة المناخ لم تعد ملفاً بيئياً معزولاً، بل قضية حوكمة شاملة تمس الأمن الوطني، والاستقرار الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، وحتى مستقبل العلاقات الدولية. فالتغير المناخي لم يعد احتمالاً علمياً، بل واقعاً سياسياً واقتصادياً يفرض نفسه على الدول دون استئذان.

لقد أصبحت الظواهر المناخية المتطرفة، من موجات الجفاف والفيضانات، إلى ارتفاع درجات الحرارة وتراجع التنوع الحيوي، عاملاً ضاغطاً يعيد تشكيل أولويات الدول، ويضع الموارد الطبيعية، وفي مقدمتها المياه والغذاء، في قلب معادلة الأمن والاستقرار.

في هذا السياق، يبرز الدور المتصاعد للبرلمانات بوصفها الحلقة الأكثر حساسية بين الإرادة الشعبية وصناعة القرار التنفيذي. فالبرلمان ليس مجرد جهة تشريع، بل هو مساحة مساءلة وطنية تُترجم فيها الالتزامات الدولية إلى قوانين، والسياسات إلى رقابة، والرؤى إلى أطر تنفيذية قابلة للقياس والتطبيق.

ومن هنا، تكتسب لجنة البيئة والمناخ النيابية في الأردن أهمية متزايدة في إعادة تعريف العلاقة بين التنمية والبيئة، من خلال الدفع نحو تشريعات أكثر قدرة على الاستجابة للتحولات المناخية، وتعزيز أدوات الرقابة على السياسات العامة، ورفع مستوى التنسيق بين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني.

لقد أدرك الأردن، بقيادة الملك عبدالله الثاني بن الحسين، مبكراً أن التحدي المناخي ليس قضية بيئية فحسب، بل قضية بقاء تنموي في منطقة شديدة الهشاشة مائياً وبيئياً. لذلك جاء التوجه نحو الاقتصاد الأخضر، والطاقة المتجددة، وتعزيز القدرة على التكيف، باعتبارها خيارات استراتيجية لا ترفاً سياسياً، بل ضرورة وطنية.

وفي إطار الالتزامات الوطنية، تمثل المساهمات المحددة وطنياً وخطط التكيف أدوات تعكس انتقال الدولة من مرحلة التعهد إلى مرحلة التنفيذ، بما ينسجم مع توجهات الأردن في إدماج المناخ ضمن السياسات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية.

إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في غياب المعرفة العلمية، بل في فجوة التنفيذ السياسي. ومن هنا، يصبح الدور البرلماني حاسماً في سد هذه الفجوة، عبر تحويل السياسات المناخية من وثائق استراتيجية إلى أدوات ملزمة وفاعلة على أرض الواقع.

وعليه، تواصل لجنة البيئة والمناخ في مجلس النواب الأردني العمل على تعزيز الحوار الوطني حول القضايا البيئية ذات الأولوية، وفي مقدمتها الأمن المائي، والتصحر، وإدارة النفايات، وجودة الهواء، وحماية التنوع الحيوي، باعتبارها ملفات تمس مباشرة مستقبل التنمية والاستقرار.

إن حماية البيئة اليوم لم تعد خياراً أخلاقياً فحسب، بل أصبحت خياراً سياسياً سيُحاسب عليه الحاضر قبل المستقبل. فالدول التي تستثمر في المناخ اليوم، هي التي تضمن استقرارها غداً، أما تلك التي تؤجل القرار، فإنها تؤجل الكلفة لا الأزمة.

وفي هذه المناسبة، نجدد التأكيد أن العمل المناخي ليس مسؤولية قطاع واحد، بل مشروع دولة ومجتمع، يتطلب شراكة حقيقية بين التشريع والتنفيذ، وبين الدولة والمواطن، وبين الحاضر والمستقبل.

وكل عام وبيئتنا الأردنية أكثر قدرة على الصمود، وأكثر استعداداً لصناعة مستقبل مستدام وعادل للأجيال القادمة.

رئيس لجنة البيئة والمناخ النيابية