بقلم الدكتور يزن طاهر شوابكة

دكتور في الاقتصاد والأعمال، وباحث في السلوك التنظيمي وعلم نفس الإدارة العامة، مع اهتمام خاص بتحليل أثر السياسات والقرارات المؤسسية على الأفراد والمنظمات والمجتمع.

 

لم يعد حبس المدين في الأردن مسألة إجرائية تُناقش داخل أروقة المحاكم أو بين أطراف علاقة مديونية عادية. لقد صار سؤالاً اجتماعياً واقتصادياً أعمق: كيف يتعامل المجتمع مع الفشل المالي؟ هل نراه تعثراً قابلاً للإصلاح، أم خطيئة تستحق العزل والعقاب؟ وهل وظيفة القانون أن يسترد الحق فقط، أم أن يحافظ أيضاً على قدرة الإنسان على الإنتاج والسداد والعودة إلى الدورة الاقتصادية؟

في ظاهر الأمر، يبدو حبس المدين أداة ضغط مشروعة لحماية الدائن. فالدائن، فرداً كان أو شركة أو مؤسسة تمويل، لا يطالب إلا بحقه. وهذه حقيقة لا يجوز القفز عنها أو تمييعها. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول وسيلة الضغط إلى نتيجة عكسية: مدين يدخل الحبس، يفقد عمله، تتضرر أسرته، تتراجع فرصه في السداد، ويتحول الدين من التزام مالي إلى انهيار اجتماعي كامل. عندها لا نكون أمام تنفيذ قانوني بالمعنى الاقتصادي الرشيد، بل أمام ما يمكن تسميته بـ“الإعدام المدني”؛ أي إسقاط الإنسان من شبكة العمل والسمعة والقدرة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة استرداد حق الدائن.

والأخطر أن هذا النوع من العقوبة لا يميز دائماً بين المتلاعب والمتعثر، بين من أخفى أمواله وامتنع عن السداد بسوء نية، وبين من دفعته ظروف السوق أو المرض أو البطالة أو تراجع الدخل إلى العجز. هنا يصبح القانون، إن لم يُضبط بمعايير دقيقة، أداة خشنة لمعالجة مشكلة تحتاج إلى مشرط اقتصادي لا إلى مطرقة عقابية.

لقد حاولت التعديلات الأخيرة على قانون التنفيذ الأردني أن تعيد ترتيب العلاقة بين حق الدائن وحرية المدين، من خلال تقليص حالات الحبس ومدده، وفتح المجال أمام التسويات، والاعتماد بدرجة أكبر على أدوات مثل الحجز على الأموال ومنع السفر في حالات محددة. وهذه خطوة مهمة، لكنها لا تكفي وحدها. فالمشكلة ليست فقط في مدة الحبس أو شروطه، بل في البنية التي تنتج التعثر قبل أن يصل إلى المحكمة. نحن لا نحتاج فقط إلى إصلاح نهاية القصة، بل إلى إعادة كتابة بدايتها.

في الأردن، لا تزال قطاعات واسعة من التعامل المالي قائمة على الثقة الشخصية، والشيكات، والكفالات، والعلاقات الاجتماعية، والضغط المعنوي، أكثر مما تقوم على قراءة دقيقة للمخاطر. يُمنح الائتمان أحياناً قبل أن تُفهم قدرة الشخص على السداد، وتُقبل الالتزامات قبل أن تُقرأ الصورة الكاملة لدخله، وديونه، وسلوكه المالي السابق. ثم عندما يقع التعثر، نتصرف كما لو أن المشكلة ظهرت فجأة، مع أنها كانت غالباً مكتوبة في البيانات منذ البداية، لكن أحداً لم يقرأها بجدية.

من هنا، فإن البديل الحقيقي لحبس المدين ليس التساهل مع الديون، ولا ترك الدائن وحيداً، ولا تحويل التعثر إلى حق مكتسب. البديل هو بناء نظام تصنيف ائتماني فعّال، عادل، وواسع الاستخدام. فالتصنيف الائتماني ليس مجرد رقم في تقرير مصرفي، بل هو لغة اقتصادية حديثة تسمح للسوق أن يرى المخاطر قبل أن تتحول إلى نزاع. إنه أداة وقاية قبل أن يكون أداة تقييم.

عندما يكون لكل فرد أو منشأة سجل ائتماني واضح، يعكس الالتزام بالسداد، حجم الالتزامات، تاريخ التأخر، ونمط التعامل مع القروض والفواتير والشيكات، يصبح قرار الإقراض أكثر عقلانية. لا يعود الدائن مضطراً إلى استخدام الشيك كوسيلة تهديد، ولا يحصل المدين بسهولة على التزامات تتجاوز قدرته الفعلية، ولا تتراكم الديون في الظل إلى أن تنفجر في المحاكم.

وهنا يجب أن تكون النقلة في التفكير واضحة: الاقتصاد الحديث لا يعاقب التعثر فقط، بل يسعّر المخاطر. ولا ينتظر أن يدخل الناس في الأزمات، بل يبني أنظمة إنذار مبكر. في الدول التي تطورت فيها منظومات الائتمان، لا يُنظر إلى المدين باعتباره خصماً أخلاقياً، بل باعتباره حالة مخاطر يجب فهمها. هل هو ملتزم لكنه تعرض لصدمة؟ هل هو مثقل بالتزامات تفوق دخله؟ هل لديه تاريخ تأخر متكرر؟ هل تحسن سلوكه المالي مؤخراً؟ هذه الأسئلة أكثر فائدة للاقتصاد من سؤال واحد قاسٍ: هل نحبسه أم لا؟

التصنيف الائتماني الجيد يحقق معادلة ثلاثية. فهو يحمي الدائن لأنه يمنحه مؤشراً مبكراً عن مستوى المخاطرة قبل منح الائتمان. ويحمي المدين لأنه يمنع إغراقه في ديون لا يستطيع حملها. ويحمي الاقتصاد لأنه يقلل النزاعات، ويخفف العبء عن المحاكم، ويحد من اللجوء إلى السجون، ويحوّل العلاقة المالية من علاقة تهديد لاحق إلى علاقة تقييم سابق.

لكن هذا لا يعني أن التصنيف الائتماني يجب أن يتحول إلى سجن جديد بلا قضبان. فكما أن حبس المدين قد يكون إعداماً مدنياً مباشراً، فإن التصنيف الائتماني غير العادل قد يصبح إعداماً مدنياً ناعماً. إذا أُسيء استخدامه، قد يحرم الناس من التمويل والعمل والإيجار والفرص لسنوات، بسبب خطأ قديم أو معلومة غير محدثة أو تقييم لا يملكون حق الاعتراض عليه. لذلك، فإن بناء التصنيف الائتماني لا بد أن يرافقه بناء حقوق ائتمانية واضحة: حق الفرد في معرفة تقريره، وحقه في تصحيح الأخطاء، وحقه في فهم أسباب انخفاض تقييمه، وحقه في إعادة بناء سمعته المالية بعد الالتزام.

العدالة هنا ليست أن نغلق الباب في وجه من تعثر، بل أن نفرق بين من تعثر ثم التزم، ومن تعثر ثم تهرب، ومن استدان بعشوائية، ومن وقع ضحية ظروف خارجة عن إرادته. التصنيف الائتماني العادل لا يختزل الإنسان في سقطة مالية، بل يقرأ مساره. وهذه نقطة جوهرية؛ لأن الاقتصاد لا يحتاج إلى إقصاء المتعثرين، بل إلى إعادتهم تدريجياً إلى دائرة الإنتاج والسداد.

ومن زاوية اقتصادية أوسع، فإن حبس المدين يمثل علاجاً مكلفاً ومنخفض الكفاءة. فالدولة تتحمل كلفة إدارية وقضائية وتنفيذية، والأسرة تتحمل كلفة اجتماعية ومعيشية، والدائن غالباً لا يستعيد ماله بسرعة، والمدين يفقد دخله أو مصدر رزقه. أي أن الخسارة تتوزع على الجميع. أما التصنيف الائتماني، إذا تم تفعيله بذكاء، فهو ينقل الكلفة إلى مرحلة أبكر وأرخص: مرحلة القرار. هل نمنح الائتمان؟ بأي سقف؟ بأي ضمان؟ بأي سعر؟ وبأي جدول سداد؟ هذه الأسئلة، حين تُجاب قبل توقيع الالتزام، توفر على المجتمع كثيراً من القضايا والخصومات والانهيارات.

ولا يعني ذلك أن نلغي المسؤولية الفردية. فمن يتهرب من السداد رغم القدرة، أو يخفي أمواله، أو يستخدم الأدوات المالية بسوء نية، يجب أن يواجه إجراءات صارمة. لكن الصرامة يجب أن تكون ذكية وموجهة. المشكلة في الأنظمة التقليدية أنها قد تعامل العجز والاحتيال بالأداة ذاتها. أما النظام الائتماني المتطور فيميز بينهما. وهذا التمييز هو جوهر العدالة الحديثة.

المطلوب اليوم في الأردن ليس فقط تعديل نص قانوني، بل تأسيس فلسفة جديدة للائتمان. فلسفة تقول إن الدين ليس مجرد ورقة تنفيذية، بل علاقة اقتصادية يجب أن تُدار منذ بدايتها. وتقول إن الدائن لا يُحمى فقط بحبس المدين، بل بحصوله على معلومات أفضل قبل منح المال أو الخدمة. وتقول إن المدين لا يُحمى بالإفلات من الالتزام، بل بمنع تحميله ما لا يستطيع، وبإعطائه مساراً واضحاً لاستعادة الثقة إذا التزم.

وهنا يمكن للدولة، والبنك المركزي، والقطاع المصرفي، وشركات التمويل، وشركات التقسيط، وغرف التجارة، وحتى منصات البيع والخدمات، أن يشكلوا معاً بيئة ائتمانية أكثر نضجاً. بيئة لا تجعل الوصول إلى الائتمان سهلاً بلا ضوابط، ولا تجعله مستحيلاً بسبب تعثر قديم. بيئة تكافئ السلوك الجيد، وتكشف السلوك الخطر، وتمنع المديونية العشوائية، وتقلل الحاجة إلى الحبس بوصفه أداة أخيرة لا قاعدة عامة.

إن السؤال الحقيقي لم يعد: هل نحبس المدين أم لا؟ السؤال الأعمق هو: لماذا وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الحبس أداة مركزية في إدارة الديون؟ ولماذا لا نملك نظاماً أوسع يقرأ المخاطر، ويمنع التوسع غير المنضبط في الائتمان، ويميز مبكراً بين العميل الجيد والعميل عالي الخطورة؟ إذا ظللنا نناقش الحبس بمعزل عن هذه الأسئلة، سنبقى ندور في الحلقة ذاتها: تعثر، شكوى، تنفيذ، حبس، غضب اجتماعي، ثم تعديل قانوني جديد.

الأردن بحاجة إلى انتقال حقيقي من عدالة ما بعد الانهيار إلى عدالة ما قبل الانهيار. من قانون يطارد المدين بعد سقوطه، إلى نظام يحمي السوق من السقوط أصلاً. من ثقافة الشيك والضغط الشخصي، إلى ثقافة البيانات والتقييم والشفافية. ومن رؤية المدين كخصم يجب كسره، إلى رؤيته كطرف في علاقة مالية يجب إدارتها بعقلانية.

في النهاية، لا يصنع الحبس اقتصاداً أكثر أماناً، بل قد يصنع مجتمعاً أكثر خوفاً. أما التصنيف الائتماني العادل فيصنع سوقاً أكثر وضوحاً، ودائناً أكثر اطمئناناً، ومديناً أكثر مسؤولية، وقضاءً أقل ازدحاماً. ولهذا فإن الحل لا يكمن في ترك الحقوق معلقة، ولا في إغلاق أبواب السجون فقط، بل في بناء نظام مالي يعرف كيف يمنح الثقة، وكيف يراقبها، وكيف يستعيدها. فالعدالة المالية الحقيقية لا تبدأ عندما يدخل المدين إلى الحبس، بل عندما لا نتركه يصل إلى هناك أصلاً.