تشهد اسواق المعادن النفيسة تحركات لافتة في سياسات البنوك المركزية الكبرى حيث تبرز روسيا كبائع رئيسي للذهب في خطوة تعكس ضغوط الموازنة العامة والحاجة الى تمويل النفقات الدفاعية المتصاعدة. واظهرت البيانات الاخيرة ان موسكو تخلصت من نحو 62 طنا من احتياطياتها منذ بداية العام الجاري مما يثير تساؤلات حول طبيعة هذه المبيعات وتأثيرها على استقرار الاسعار في المدى المنظور. واكد خبراء ان هذه العمليات تتم خارج الاسواق التقليدية في لندن حيث تتجه كميات كبيرة نحو هونغ كونغ وسط مؤشرات قوية على ان الصين هي المشتري الاكبر لهذه الكميات.

وكشفت تقارير تجارية ان هونغ كونغ استقبلت قرابة 100 طن من الذهب الروسي خلال الاشهر السبعة الاولى من العام الحالي وهو رقم يمثل ثلاثة اضعاف الكمية المسجلة في الفترة ذاتها من العام الماضي. واضاف مراقبون ان هذا المسار يؤكد ان الذهب الروسي لم يخرج تماما من دائرة الطلب الرسمي بل انتقل الى حيازات دول اخرى تسعى لتعزيز احتياطياتها بعيدا عن الدولار. وبين محللون ان روسيا قد تعود الى سياسة الشراء في المستقبل القريب كما فعلت تاريخيا بعد ازمات مالية سابقة.

واوضح مختصون ان طبيعة المعاملات التي تتم بين روسيا وشركائها في شرق اسيا تحد من الضغوط السلبية على السعر العالمي للذهب لانها لا تدخل ضمن المناقصات العامة المفتوحة. وشدد هؤلاء على ان الطلب الصيني القوي يمتص هذه المبيعات بشكل فعال مما يحافظ على توازن العرض والطلب في السوق الدولية. واشار تقرير صدر مؤخرا الى ان بولندا لا تزال مستمرة في خططها لتعزيز احتياطياتها لتصل الى مستوى 700 طن دعما لجدارتها الائتمانية.

استراتيجيات البنوك المركزية بين البيع والاحتفاظ

وبينت كازاخستان نهجا مختلفا عبر اعلانها نية تقليص حصة الذهب في احتياطياتها الى 75 بالمئة بدلا من 78 بالمئة في محاولة لاعادة التوازن الى محافظها المالية. واضاف خبراء ان هذه الخطوة قد تعود الى رغبة الدولة في جني الارباح بعد صعود الاسعار الملحوظ في السنوات الاخيرة او لتغطية عجز الموازنة. واكد تقرير مجلس الذهب العالمي ان قرارات البنوك المركزية لم تعد مرتبطة فقط بتوقعات الاسعار بل اصبحت جزءا من ادوات ادارة السيولة الوطنية.

وكشف بنك الشعب الصيني عن شهية مفتوحة للمعدن الاصفر حيث اضاف 23 طنا في شهر واحد مسجلا اكبر زيادة شهرية منذ فترة طويلة. واوضح التقرير ان اجمالي مشتريات الصين منذ بداية العام تجاوز 100 طن مما يعزز مكانتها كقوة شرائية لا يستهان بها في السوق العالمية. واشار محللون الى ان استمرار الصين وبولندا في الشراء يعادل ويغطي عمليات البيع التي تقوم بها دول اخرى مما يمنع حدوث انهيار في قيم الذهب.

وذكر مختصون ان الذهب يظل ملاذا امنا رغم التصحيحات السعرية المؤقتة التي شهدتها السوق في الاونة الاخيرة. واضافوا ان المستثمرين على المدى الطويل لا يلتفتون كثيرا للتقلبات قصيرة الاجل طالما ان البنوك المركزية تواصل اعتبار الذهب ركيزة اساسية لاستقرار العملة الوطنية. وشدد الخبراء على ان التوجهات الحالية لا تعني تحولا جذريا في سياسة البنوك المركزية بقدر ما هي اعادة تموضع استراتيجي لكل دولة.