تخطف رائحة اللحم المشوي على الطريقة التركية المعروفة باسم دونر كباب انظار المارة في شوارع المدن الكبرى وتدفعهم للبحث عن مصدر هذه النكهة الفريدة التي تجاوزت الحدود الجغرافية لتصبح طبقا عالميا بامتياز. وتكشف رحلة هذا الطبق عن تاريخ عريق بدأ من زوايا الشوارع الاسيوية وصولا الى الاسواق الاوروبية وشاحنات الطعام في الولايات المتحدة حيث تحول الى ظاهرة غذائية لا تضاهى. واوضحت الدراسات الغذائية ان الدونر يمكن ان يكون وجبة متوازنة غنية بالبروتين والفيتامينات بشرط اختيار اللحوم قليلة الدسم والاعتماد على الخضراوات الطازجة وتقليل الصلصات المصنعة.

من اقدم اساليب الطهي التي عرفها البشر

وبين مؤرخ الطعام كين البالا ان شوي اللحم على سيخ دوار يعد من اقدم تقنيات الطهي التي ابتكرها البشر قديما حيث يعتمد الامر على تسوية اللحم بجانب النار ببطء شديد مما يمنحه قواما طريا ونكهة استثنائية. واكدت استاذة علم الاثار سوزان شيرات ان ولائم اللحم المشوي كانت حاضرة في الملاحم التاريخية القديمة مثل الالياذة والاديسة كما عثر المنقبون على اسياخ حديدية في منطقة بحر ايجة يعود تاريخها الى قرون غابرة. واضافت ان هذه الطريقة لم تكن مجرد وسيلة للطهي بل كانت جزءا من ثقافة الولائم والاحتفالات في العصور القديمة.

من طريقة بدائية الى وصفة عثمانية عالمية

وكشفت ماري ايشين في ابحاثها حول تاريخ المطبخ العثماني ان الطهاة قديما ابدعوا في رص شرائح اللحم الرقيقة فوق اسياخ معدنية لتشوى اثناء دورانها بانتظام. واشارت الى وجود مخطوطات تاريخية تعود لعام 1620 تظهر طهاة يقدمون هذا الطبق للنخبة في النزهات الملكية قبل ان ينتشر بين عامة الشعب في ارجاء الامبراطورية العثمانية. واوضحت ان الوصفة اصبحت بحلول القرن التاسع عشر الوجبة المفضلة للسياح والمحليين في اسطنبول بفضل طعمها الذي لا يقاوم.

الدونر يعبر الحدود باسماء ونكهات مختلفة

وتابعت ايشين ان المسميات اختلفت عبر الزمن حيث عرف باسم تشيفيرمه كبابي قبل ان يستقر على مسمى دونر داخل الدولة العثمانية بينما تحول في دول اخرى الى شاورما. واضافت ان المهاجرين لعبوا دورا محوريا في نقل هذه الوجبة الى اوروبا حيث وصلت اعداد مطاعم الدونر في برلين وحدها الى اكثر من الف مطعم محققة مليارات اليوروهات كعائدات سنوية. وبينت ان الوصفة انتقلت ايضا الى المكسيك عبر الجاليات اللبنانية حيث عرفت باسم تاكو ارابيس لتثبت قدرة هذا الطبق على التكيف مع الثقافات المختلفة.

الدونر بين الشوارع والمطاعم

واكد الطاهي ودات باشاران ان الدونر تطور من مجرد وجبة سريعة تباع في الطرقات الى طبق رئيسي يقدم في افخم المطاعم بطرق تقديم مبتكرة. واوضح ان المطاعم الكبرى في اسطنبول اصبحت تقدم اللحم مع خبز اللافاش والبصل بالسماق كوجبة متكاملة للاحتفالات. واضاف ان النسخ المنتشرة في المطاعم الصغيرة التي تستخدم خبز البيتا تشبه الى حد كبير النمط الذي يفضله المستهلكون في المانيا وبعض الدول الغربية.

الدونر.. الجد الاكبر للشاورما

وكشفت مدونة الطعام صوفي رينويك ان الدونر يعتبر الجد الاكبر لسلسلة طويلة من الوجبات المشابهة مثل الشاورما والترومبو والتاكو. واوضحت ان الفرق الجوهري يكمن في التتبيلة حيث يعتمد الدونر على الملح والفلفل لاظهار طعم اللحم الاصلي بينما تعتمد الشاورما على مزيج غني من التوابل مثل القرفة والكركم والثوم. وشددت على ان كلا النوعين يمثلان ارثا ثقافيا غنيا يعكس براعة الشعوب في ابتكار وصفات تعبر الحدود وتجمع الناس حول مائدة واحدة.