تتحول رحلة الوصول الى العمل او الجامعة في لبنان الى عبء مالي ثقيل يستنزف ما تبقى من دخل الاسر في ظل الارتفاع المستمر في اسعار المحروقات. ويجد السائق والراكب نفسيهما في مواجهة معادلة خاسرة حيث لا يستطيع الاول رفع التعرفة بما يغطي تكاليفه ولا يقوى الثاني على دفع الزيادات المطلوبة في ظل تآكل القدرة الشرائية. وتكشف جولات البحث عن ركاب في شوارع بيروت عن مأساة يومية يعيشها السائقون الذين يقضون ساعات طويلة في انتظار زبائن يرفضون دفع اجور مرتفعة بينما تلتهم اسعار البنزين المرتفعة كل ما يجنونه من دخل يومي بسيط.
واشار السائقون الى ان تعبئة خزان السيارة بالوقود اصبحت تكلف مبالغ طائلة تتجاوز في كثير من الاحيان ما يتم تحصيله من الركاب طوال اليوم. وبينت الحسابات الميدانية ان السائق قد يعمل لساعات طوال فقط ليتمكن من تغطية ثمن المحروقات دون تحقيق ربح حقيقي يذكر. واكد العاملون في قطاع النقل انهم امام خيار صعب بين العمل بخسارة او التوقف عن العمل في ظل غياب اي دعم حكومي ملموس لهذا القطاع الحيوي.
الطريق الى الجامعة والعمل
واوضح الطلاب والعمال ان تكلفة التنقل اليومي باتت تستهلك حصة كبيرة من ميزانية الاسرة الشهرية مما يضطر الكثيرين منهم الى إعادة ترتيب اولوياتهم المالية. وذكر طلاب جامعيون ان الرحلة التي كانت تكلف مبلغا بسيطا اصبحت اليوم تستنزف جزءا كبيرا من دخل اهاليهم. وبينت التقديرات ان تكلفة النقل الشهري قد تصل الى ارقام قياسية تؤثر بشكل مباشر على القدرة على استكمال التعليم او الالتزام بالوظائف اليومية.
واكد الخبراء ان المشكلة تتجاوز مجرد سعر الصفيحة لتصل الى بنية الاقتصاد اللبناني الذي يفتقر الى شبكة نقل عام منتظمة تحمي المواطن من تقلبات اسعار الطاقة. وشدد هؤلاء على ان غياب البدائل يجعل المواطن اسير سيارات الاجرة الخاصة التي ترفع اسعارها مرغمة لمواكبة التضخم. واضاف المحللون ان تحويل تكلفة الطريق الى جزء اساسي من مصاريف المعيشة يعني ان الوصول الى مكان العمل بات بحد ذاته استثمارا مكلفا لا يضمن عائدا كافيا في ظل ثبات الاجور.
استنزاف الاجور وتداعيات التضخم
وكشفت التقارير الاقتصادية ان التضخم المتوقع في لبنان يضع ضغوطا اضافية على الاسر خاصة مع ارتفاع تكاليف نقل البضائع والخدمات التي تتأثر مباشرة بأسعار النفط. واظهرت البيانات ان انكماش الاقتصاد اللبناني يفاقم من حدة الازمة ويجعل من الصعب على الفرد تغطية احتياجاته الاساسية. واكد المختصون ان رفع بدل النقل قد يكون حلا جزئيا ولكنه لا يعالج الفجوة الكبيرة بين الدخل الفعلي وتكاليف الحياة المتصاعدة.
واضاف الخبراء ان الازمة تتداخل فيها عوامل سعر الصرف والضرائب والرسوم التي تفرض على المحروقات مما يجعل المواطن في حلقة مفرغة. وبينت الدراسات ان ربط بدل النقل بسعر الوقود قد يحمي القيمة الشرائية مؤقتا لكنه لا يعد بديلا عن تصحيح الاجور بشكل شامل وعادل. وشددوا على ان الحل يتطلب رؤية اقتصادية ابعد من مجرد معالجات موقتة لاسعار الوقود.
من الطريق الى الشارع
واعلنت اتحادات النقل البري عن تحركات واضرابات احتجاجا على هذا الواقع المرير الذي يهدد استمرارية القطاع برمته. واكدت النقابات ان هذه الخطوات تأتي بعد ان اصبح العمل في قطاع النقل غير مجد اقتصاديا للكثير من السائقين. واضافت ان الاحتجاجات هي صرخة في وجه تدهور الاوضاع المعيشية التي لم تعد تحتمل المزيد من الضغوط.
وبينت التحركات الميدانية ان الشارع اللبناني بدأ يغلي نتيجة تراكم الازمات وفشل السياسات في احتواء تكاليف الطاقة. واكد المراقبون ان الايام المقبلة قد تحمل المزيد من التصعيد اذا لم يتم التوصل الى حلول جذرية تخفف من وطأة اسعار المحروقات عن كاهل المواطن. واشاروا الى ان السؤال الاهم الذي يواجهه اللبنانيون اليوم هو الى متى سيظل راتبهم يتبخر في طرقات لا تؤدي الى استقرار مالي او اجتماعي.
