ساعات طويلة من البحث قضاها الغزيون للحصول على كمية محدودة من الزعتر البري لا تتجاوز ربع كيلوغرام، حيث قفز سعره في الاسواق بشكل جنوني ليبلغ خمسة وعشرين شيقلا، وهو ما يمثل ثلاثة اضعاف ونصف سعره قبل اندلاع حرب الابادة على قطاع غزة. واصبح هذا المكون البسيط الذي كان يزين موائد العائلات الفلسطينية طوال اجيال، رمزا لصعوبة الحياة اليومية في ظل تدمير الحقول وتجريف المشاتل التي كانت تشكل مصدرا للرزق والامن الغذائي. واكد الشيف نبيل الشواف البالغ من العمر خمسة وستين عاما، ان محاولاته لاعادة احياء الوصفات التقليدية داخل مطبخه اصطدمت بواقع مرير، حيث غاب الزعتر البلدي الطازج وشح السماق وارتفعت اسعار زيت الزيتون بشكل غير مسبوق.
تحولات المائدة في زمن الحرب
واضاف الشواف انه اضطر للاستعانة ببدائل قسرية في اعداد الاطباق الشهيرة كالمسفن والمناقيش، مبينا ان انقطاع التيار الكهربائي ونفاد غاز الطهي جعلا من عملية تحضير وجبة بسيطة اختبارا ميدانيا قاسيا. واوضح ان الزعتر الذي كان يمثل ذاكرة المائدة الفلسطينية تحول اليوم الى طعام وحيد يرافق الغزيين في ايام النزوح والجوع، مما فرض على الطهاة اعادة صياغة الوصفات بما يتوفر من بدائل محدودة في الاسواق. وشدد على ان نكهة الزعتر المزروع بالري تختلف جذريا عن مذاق الزعتر البلدي القادم من جبال الضفة، وهو ما يغير من القيمة الغذائية والثقافية للاطباق التي توارثتها الاجيال.
انحسار المساحات الزراعية
وبين احمد حمدونة المسؤول في بلدية بيت لاهيا، ان المساحات المزروعة بالزعتر في شمال القطاع تراجعت من سبعين دونما الى خمسة دونمات فقط، بنسبة انخفاض تجاوزت تسعين بالمئة. واشار الى ان عمليات التجريف الاسرائيلية استهدفت الاراضي الزراعية بشكل ممنهج، مما دفع المزارعين لهجر حقولهم او الاكتفاء بحدائق منزلية صغيرة لا تكفي لسد الاحتياجات المحلية. واكد ان الحفاظ على هذا المحصول يتطلب استراتيجية عاجلة لتوفير الشتلات والبذور ودعم الزراعة المنزلية، في محاولة يائسة لحماية الموروث الغذائي الفلسطيني من الاندثار التام.
انهيار دورة الانتاج الزراعي
وكشف عياد ابو طه مدير غرفة تجارة خان يونس ورفح، ان المساحة الصالحة لزراعة الزعتر في محافظتي الجنوب تقلصت بشكل حاد من مئة وخمسين دونما الى عشرين دونما فقط، مما ادى لخروج مساحات شاسعة من دائرة الاستغلال الزراعي. واضاف ان الطاقة الانتاجية السنوية التي كانت تصل الى تسعين طنا انهارت لتتراوح بين تسعة واثني عشر طنا، مما انعكس سلبا على فرص العمل والنشاط الاقتصادي المرتبط بقطاف وتجفيف وتسويق المحصول. وبين ان الاثر لا يقتصر على المزارعين فقط، بل يمتد ليشمل كافة العاملين في سلسلة التوريد، مما يحول فقدان الاراضي الزراعية الى خسارة مركبة تهدد الامن الغذائي في قطاع غزة.
