سجلت عوائد سندات الخزانة الامريكية قفزات نوعية لتصل الى مستويات غير مسبوقة منذ نحو عقدين من الزمن مما خلق حالة من التوتر الحاد في اوساط المستثمرين باسواق المال العالمية. وجاء هذا الصعود الملحوظ عقب صدور بيانات اقتصادية اظهرت تسارعا لافتا في انشطة الاعمال خلال الشهر الجاري وهو ما عزز من قناعة الاسواق بان مجلس الاحتياطي الفيدرالي سيواصل نهجه المتشدد في رفع اسعار الفائدة لكبح جماح التضخم المستمر. واظهرت المؤشرات الصادرة عن ستاندرد اند بورز غلوبال وصول مؤشر مديري المشتريات المركب الى مستويات قياسية جديدة لم تشهدها البلاد منذ عام 2021 مما عكس قوة غير متوقعة في الطلبات الجديدة ونموا في قطاع الخدمات والصناعات التحويلية.
تداعيات السياسة النقدية على الاسواق
وبينت الارقام الاخيرة ان حالة التفاؤل الاقتصادي قد انقلبت الى ضغوط بيعية في وول ستريت حيث زادت رهانات المستثمرين على توجه البنك المركزي نحو مزيد من التشديد النقدي في اجتماعه القادم. واكدت التقارير ان احتمالات رفع الفائدة قفزت بشكل كبير في ظل المعطيات الجديدة التي تشير الى مرونة الاقتصاد الامريكي وقدرته على تحمل تكاليف اقتراض اعلى. واضاف المحللون ان عائد السندات لاجل عشر سنوات سجل ارتفاعات قياسية متجاوزا حاجز الخمسة بالمئة وهو المستوى الذي لم يتم تسجيله منذ عام 2007 وسط مخاوف من تواصل هذا المسار الصاعد.
وشدد مايكل بار عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي على ان البنك المركزي ماض في خطته لاعادة ضبط تكاليف الاقتراض بهدف السيطرة على معدلات التضخم التي لا تزال تتجاوز المستهدف الرسمي. وبين ان الحاجة لزيادات اضافية في الفائدة قد تصبح امرا واقعا اذا ما استمرت البيانات في اظهار قوة النشاط الاقتصادي. واوضح ان استمرار التضخم فوق مستوى الاثنين بالمئة يفرض على صناع السياسة النقدية اتخاذ خطوات حازمة لضمان استقرار الاسعار على المدى الطويل.
ضغوط التضخم وتراجع الاسهم
واكدت بيانات التداول تأثر مؤشرات الاسهم الرئيسية بشكل مباشر حيث سجل مؤشر داو جونز تراجعا ملحوظا بينما فقد مؤشر ستاندرد اند بورز خمسمئة جزءا كبيرا من مكاسبه السابقة. واضافت المؤشرات ان اسهم التكنولوجيا المدرجة في ناسداك كانت الاكثر تضررا من ارتفاع عوائد السندات التي ترفع بدورها تكلفة التمويل وتضعف تقييمات الشركات الكبرى. وبينت التقارير ان هذا التوجه لم يقتصر على السوق الامريكي بل امتد ليشمل الاسواق الاوروبية التي شهدت هي الاخرى عمليات بيع واسعة بعد سلسلة من المكاسب.
واوضحت التحليلات ان ارتفاع عوائد السندات يعد بمثابة ضريبة خفية على الشركات والاسر على حد سواء حيث تزيد من تكاليف القروض وتجعل الاصول ذات المخاطر العالية اقل جاذبية للمستثمرين الذين يبحثون عن الامان في ادوات الدين الحكومية. واضاف الخبراء ان هذا المشهد الاقتصادي يفرض واقعا جديدا على مديري المحافظ الاستثمارية الذين باتوا يعيدون ترتيب اوراقهم في ظل تقلبات حادة في اسعار الاصول. وشددوا على ان الارتباط الوثيق بين بيانات النشاط الاقتصادي وقرارات الفائدة سيظل المحرك الرئيسي للأسواق في الفترة المقبلة.
النفط والدولار في مواجهة التقلبات
وكشفت حركة الاسواق عن تباين في اداء السلع والعملات حيث استمر الدولار في استمداد قوته من توقعات الفائدة المرتفعة مسجلا مكاسب امام اليورو والين الياباني. واضافت البيانات ان العملة الخضراء اصبحت الملاذ المفضل في ظل حالة عدم اليقين التي تخيم على المشهد الاقتصادي والجيوسياسي العالمي. وبينت الارقام ان اليورو تراجع الى ادنى مستوياته منذ اشهر بينما واصل الذهب تراجعه متأثرا بضغط ارتفاع العائد على السندات وقوة الدولار في المعاملات الفورية.
واظهرت اسواق الطاقة ارتفاعا في اسعار النفط التي تذبذبت بين مخاوف الامدادات والتطورات السياسية الجارية في المنطقة. واضافت التقارير ان الترقب للقمم السياسية بين القوى العظمى يلقي بظلاله على اسعار الخام التي تشهد حالة من الحذر. واكدت ان استمرار حالة عدم اليقين يمنع الاسعار من الاستقرار عند مستويات معينة مما يجعل من الصعب التنبؤ بالمسار القادم لاسواق الطاقة والعملات في ظل التوترات الاقتصادية الحالية.
