بقلم : عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي
ليس من العدل أن نُحوّل جملةً عابرة إلى قضية، ولا أن نقتطع كلمات من سياقها ثم نبني عليها أحكامًا ومواقف لا تمت إلى نية قائلها بصلة.
وأقولها بوضوح: فلننصف معالي صخر دودين.
عندما قال إن والده كان وزيرًا، وجده وزيرًا، وعمه وزيرًا، وخاله وزيرًا، فهو لم يقل شيئًا من نسج الخيال، ولم يدّعِ لنفسه ما ليس له، ولم يقدّم تلك المعلومة باعتبارها شهادة تفوق على الآخرين.
الرجل كان يتحدث عن عائلة لها حضورها في الدولة الأردنية، وتاريخها في العمل العام، وكان صريحًا في حديثه عن خلفيته العائلية. والصراحة ليست عيبًا، والحديث عن تاريخ الأسرة ليس مباهاة بالضرورة، ولا يجوز أن نحاكم النيات دون دليل.
ثم إن صخر دودين ينحدر من عشيرة محترمة، لها تاريخها وجذورها وحضورها المعروف ، وتاريخ هذه العشيرة ليس أمرًا يمكن لأحد أن ينكره أو يمحوه بكلمة عابرة أو تعليق عابر.
والاعتزاز بالانتماء إلى عائلة أو عشيرة لها تاريخها وجذورها ليس عيبًا، كما أن الحديث عن رجال خدموا الأردن من أبناء الأسرة لا يعني بأي حال من الأحوال أن صاحب الحديث يرى نفسه أعلى من الآخرين.
أما ما جاء بعد ذلك من مقدم البرنامج، عندما أتبع الكلام بكلمة «واو»، فهذه عبارة صدرت من المقدم نفسه، ولا يجوز بأي حال أن نحمّلها لمعالي صخر دودين، أو نجعل منها جزءًا من كلامه، ثم نبني عليها اتهامًا بالتعالي أو الاستعلاء.
وهنا تحديدًا يجب أن نكون أكثر إنصافًا وموضوعية.
لقد أصبحنا، للأسف، نعيش زمنًا يُصطاد فيه الكلام كما تُصطاد الأخطاء، وتُقتطع الجمل من سياقها، ثم تُقدّم للجمهور وكأنها تحمل معنى آخر تمامًا.
وهذا ليس نقدًا… بل ظلم.
أنا أعرف صخر دودين عن قرب، وأعرف كذلك والده كامل المعرفه ، وأعرف مقدار ما قدّماه للأردن خلال سنوات طويلة من العمل العام.
ولا أقول ذلك مجاملة لأحد، ولا دفاعًا عن شخص بعينه؛ وإنما لأن شهادة المعرفة المباشرة يجب أن تُقال عندما يكون هناك ظلم أو تجنٍّ.
صخر دودين، كما عرفته، رجل قريب من الناس، شعبي بطبيعته، متواضع في تعامله، يحترم الآخرين، ولا يتعامل مع الناس من برج عاجي.
ومن يعرفه عن قرب يعرف أن الحديث عن عائلته وتاريخها في الدولة الأردنية لا يعني أنه ينظر إلى الآخرين من فوق، ولا يعني أنه يعتبر نفسه أفضل من أبناء الأردن.
ثم إن حب الأردن والانتماء إليه ليسا سلعة يتنافس عليها الناس، ولا شهادة يحتكرها شخص دون آخر.
ومن حق كل أردني أن يعتز بتاريخ أسرته، لكن ليس من حق أحد أن يزاود على أحد في وطنيته.
وصخر دودين ووالده قدّما للأردن الكثير، ولهما تاريخ معروف في العمل العام، والانتماء إلى الدولة الأردنية وقيادتها ليس أمرًا يحتاج إلى مزايدة من أحد على أحد.
ولذلك، فإن الإنصاف يقتضي أن نفرّق بين الاعتزاز بالتاريخ العائلي وبين التعالي على الناس.
الأول حق طبيعي، والثاني سلوك مختلف تمامًا.
ولا يجوز أن نخلط بينهما لمجرد أن كلمةً أو تعبيرًا أعجبنا أو لم يعجبنا.
لقد آن الأوان أن نتوقف عن تحويل كل كلمة إلى معركة، وكل عبارة إلى تهمة، وكل حديث إلى مادة للتشهير.
فالسياسة والعمل العام لا يحتملان هذه الخفة في إصدار الأحكام.
ناقشوا الرجل فيما قال، لا فيما أراد البعض أن يقولوه عنه.
وانتقدوا مواقفه إن اختلفتم معها، وحاسبوه على أدائه إن وجدتم ما يستحق المحاسبة، لكن لا تحاكموا رجلًا على كلمة قالها غيره، ولا على معنى وضعه آخرون في فمه.
إن أخطر ما يمكن أن نصل إليه هو أن يصبح السياسي مطالبًا بأن يزن كل كلمة بعشرات الموازين خوفًا من أن يأتي من يقتطعها من سياقها، ثم يطلق عليه حكمًا أخلاقيًا أو سياسيًا لا يستند إلى الحقيقة.
فلنحسن الظن قبل أن نسيء الحكم.
ولنترك ثقافة اصطياد العبارات، وتفتيش الكلمات عن تهمة، وتحويل الاختلاف إلى خصومة شخصية.
صخر دودين ليس فوق النقد، كما أنه ليس أقل من أن يُنصف.
ومن يعرف أبا مروان يعرف أنه إنسان قريب من القلوب، متواضع، يحترم الجميع، ولا يتعالى على أحد.
لذلك أقولها دون تردد:
لا تظلموا الرجل.
لا تضعوا في فمه ما لم يقله، ولا تحملوا كلامه أكثر مما يحتمل، ولا تجعلوا من كلمة قالها مقدم برنامج ذريعة لمحاكمة ضيفه.
فلننصف صخر دودين… فالإنصاف شجاعة، وحسن الظن أخلاق، والعدل في الحكم على الناس هو أول ما نحتاجه عندما نختلف معهم.
والأردن أكبر من مقطع مجتزأ، وأكبر من كلمة عابرة، وأكبر من حملات تبحث عن الإثارة.
فلنختلف كما نشاء، ولكن لا نظلم
