تستعيد منطقة باب البحر التاريخية في قلب القاهرة حيويتها المعهودة مع اقتراب ذكرى المولد النبوي الشريف حيث تتحول الازقة العتيقة الى قبلة سنوية للمصريين الباحثين عن حلاوة المولد التقليدية. ويرتبط المكان في الذاكرة الشعبية بكونه مركزا تجاريا عريقا نشأ منذ العصر الايوبي ليتحول بمرور الزمن الى شريان نابض لصناعة وبيع الحلويات التي تعد جزءا لا يتجزأ من الموروث الثقافي والاجتماعي في مصر. وتؤكد المشاهد الحية في المنطقة ان الروابط التاريخية بين المكان وطقوس الاحتفال لا تزال قوية رغم تغير ملامح العاصمة العمرانية.
واضاف التجار في باب البحر ان المنطقة نجحت في الحفاظ على مكانتها كمركز رئيسي لتجارة الجملة والتجزئة للمواد الغذائية والحلويات على مدار العام. واكدوا ان الموسم الحالي يشهد اقبالا ملحوظا يعكس تمسك العائلات المصرية بتقاليدها الاصيلة في شراء الحلوى وتوزيعها تعبيرا عن البهجة بهذه المناسبة الدينية. وبين البائعون انهم يحرصون على استمرار هذا الارث عبر اجيال متعاقبة رغم التحديات الاقتصادية وتقلبات الاسعار التي تشهدها الاسواق.
واوضح حسن الزغاط وهو بائع مخضرم في المنطقة ان الحرفة تتطلب مهارة خاصة لضمان جودة المنتجات والحفاظ عليها من العوامل الجوية. واشار الى ان الصناديق الزجاجية التقليدية لا تزال الوسيلة المثالية لحفظ الملبن والحلوى لضمان بقائها طازجة للزبائن. وشدد على ان الخبرة الطويلة التي اكتسبها على مدار عقود تجعل من منتجات باب البحر علامة فارقة لا تضاهيها المتاجر الحديثة.
طقوس مصرية لا تغيب
وبينت السيدات اللواتي يترددن على السوق ان شراء حلاوة المولد يمثل اكثر من مجرد عملية تجارية بل هو طقس اجتماعي يجدد صلة الارحام والذكريات. واكدت عايدة وهي احدى زبونات المنطقة الدائمات ان باب البحر يظل الوجهة المفضلة التي تضمن لها ولعائلتها الجودة والسعر المناسب. واضافت ان فرحة الاستعداد للمولد تبدأ من لحظة التجول في هذا الشارع التاريخي الذي تفوح منه روائح السكر والمكسرات.
واكدت وفاء ان الحرص على شراء الحلوى لابنائها واحفادها يجسد استمرارية التقاليد المصرية التي تتجاوز حدود الزمن. واوضحت ان اختيار الاصناف يتم بعناية فائقة لتناسب اذواق افراد الاسرة وتدخل البهجة على قلوب الجميع. واضافت ان هذه الرحلة السنوية تعتبر جزءا من تربية الاجيال الجديدة على حب التراث والعادات الاصيلة التي تميز المجتمع المصري.
وكشفت الجولات في ارجاء المنطقة عن وجود اهتمام متزايد باعادة احياء صناعة عروسة المولد والحصان التقليديين. واظهرت المتابعة الميدانية ان هناك ورشا متخصصة لا تزال تحافظ على القوالب القديمة والزينة التراثية التي كانت سائدة في العقود الماضية. وشدد الحرفيون على ان العروسة التقليدية تظل رمزا للهوية المصرية التي لا تقبل الاستبدال بالمنتجات الحديثة.
عودة التراث والنوستالجيا
واضاف احمد وهو صانع حلويات ان الطلب على العرائس التقليدية شهد ارتفاعا ملحوظا في الاونة الاخيرة كنوع من الحنين الى الماضي. واكد ان عملية تصنيعها وتزيينها يدويا تمنحها قيمة عاطفية خاصة لدى الزبائن الذين يبحثون عن ذكريات طفولتهم. وبين ان اضافة العلم المصري القديم على العروسة يعد لمسة وفاء لتاريخ طويل من الاحتفالات الشعبية.
واوضح ان الحرفيين في باب البحر يعملون بكل طاقتهم لتلبية احتياجات السوق المحلية والمحافظات المجاورة. واكد ان سر المهنة يكمن في البساطة واستخدام المكونات التقليدية التي تعطي المذاق الاصيل الذي يعرفه المصريون. واضاف ان الروح التي توضع في هذه الصناعة هي ما يجعل من باب البحر اسما محفورا في وجدان كل محب للتراث.
واكد البائعون في ختام حديثهم ان باب البحر سيظل شاهدا على عراقة القاهرة ومركز اشعاع للتقاليد الشعبية. واشاروا الى ان تكاتف الحرفيين والزبائن يضمن بقاء هذه المهنة حية ومزدهرة رغم كل الظروف. وبينوا ان المولد النبوي يظل دائما فرصة لتجديد العهد مع هذه المهن التي تربط الحاضر بالماضي الجميل.
