تتجاوز عمليات تجريف الركام في قطاع غزة مجرد كونه اجراء ميدانيا لازالة اثار الدمار، حيث كشف الخبير العسكري والاستراتيجي العميد المتقاعد الياس حنا ان هذه العمليات تندرج ضمن استراتيجية شاملة لاعادة تشكيل البيئة الجغرافية بما يخدم السيطرة العسكرية المطلقة. واوضح حنا ان المباني والطرقات والركام ليست مجرد كتل صماء، بل هي عناصر حيوية تتحكم في قدرة القوات على الرصد والمناورة، مؤكدا ان ازالة هذه العوائق تمنح القوات المسيطرة افاقا واسعة للرؤية وتجرد الخصم من الغطاء العمراني الذي يسهل الالتفاف والاحتماء. وبين ان هذا المسار يندرج تحت مفهوم اعادة هندسة البيئة الامنية، حيث يتم التعامل مع الجغرافيا كعنصر حاسم في حروب المدن لتثبيت واقع ميداني جديد يقلل الاعتماد على الكتل البشرية ويسهل حركة الاليات المدرعة.
محور نتساريم كنموذج تطبيقي
واكد حنا ان محور نتساريم يمثل النموذج الابرز لهذه الاستراتيجية التي انشاها الاحتلال ليفصل شمال القطاع عن جنوبه، واضاف ان المنطقة خضعت لعمليات تجريف واسعة النطاق بعمق يصل الى ثلاثة كيلومترات في كل اتجاه. وشدد على ان الهدف من هذا المخطط هو خلق نطاق مكشوف تماما يمنع اي محاولات للاقتراب من المواقع العسكرية، موضحا ان السيطرة في هذا النموذج لا تقتصر على النقطة العسكرية فحسب، بل تمتد لتشمل تامين خطوط الرؤية والطرق المؤدية الى تلك المواقع.
عسكرة الجغرافيا وتقليص الغطاء
وكشف الخبير الاستراتيجي ان ربط ازالة الركام بتوسيع هامش الحركة يؤدي الى ما وصفه بـ عسكرة البيئة، وهو مصطلح يعني اخضاع كافة العناصر المدنية من طرق ومبان وخدمات لحسابات السيطرة والقتال. واظهر ان تراجع كثافة الابنية في محيط النقاط العسكرية يجعل المجال اكثر انفتاحا امام المراقبة والتحركات الالية، مبينا ان التجريف تحول الى اداة استراتيجية تهدف لتقليل المخاطر المباشرة على القوات المتمركزة وتثبيت اقدامها في مناطق السيطرة.
تاريخية التجريف والابعاد الانسانية
واشار حنا الى ان هذا النهج له سوابق تاريخية في غزة، مستحضرا ما حدث في مخيم جباليا قبل عقود حين تم توسيع الطرق لتسهيل حركة الاليات، واضاف ان ما يجري اليوم يتفوق من حيث حجم الدمار والاتساع الجغرافي الذي طال البنية التحتية. واكد ان هذه العمليات تدمر ما يمكن تسميته بالنظام البيئي المعيشي، موضحا ان التقديرات تشير الى وجود خمسين مليون طن من الركام، مما يجعل عودة السكان الى احيائهم امرا بالغ التعقيد في ظل غياب المعالم السابقة.
مخاوف طواقم الانقاذ والادلة الميدانية
واضافت تقارير ميدانية ان عمليات التجريف تثير قلقا بالغا لدى عائلات المفقودين وطواقم الانقاذ، حيث يؤدي نقل الركام الى ضياع الادلة الجنائية وتعقيد مهام البحث عن الجثامين تحت الانقاض. وشدد المراقبون على ان المناطق التي تخضع للسيطرة الاسرائيلية او ما يصنف ضمن الخطوط الامنية تمنع وصول فرق الانقاذ، مبينا ان هذا الوضع يضع عائقا امام توثيق الهجمات وحماية حقوق الضحايا في العثور على ذويهم.
