في اعالي قمم جبل مرة بدارفور وتحديدا في قرية تبرا النائية يواجه الاطفال مأساة انسانية صامتة مع تفشي وباء الحصبة الذي ينتشر بسرعة فائقة في ظل غياب تام للخدمات الطبية والرعاية الصحية الاساسية. يعيش الاهالي في حالة من الرعب بعد ان تحولت قراهم الى بؤر للعدوى مع عجز تام عن توفير العلاج او اللقاحات الضرورية لحماية الصغار من هذا المرض الفتاك.

واظهرت بيانات غرفة طوارئ قولو تسجيل عشرات الاصابات المؤكدة خلال ايام قليلة في قرية تبرا وحدها وسط تحذيرات من اتساع رقعة الانتشار لتشمل القرى المجاورة. واكد مسؤول الصحة بغرفة طوارئ قولو عامر موسى ان الامكانيات المتاحة شحيحة للغاية ولا تكفي لمواجهة هذا التفشي الخطير في منطقة تعاني اصلا من تبعات الحرب المستمرة منذ سنوات.

وبين موسى ان المرض شديد العدوى ويشكل تهديدا مباشرا على حياة الاطفال خاصة مع التدهور الحاد في المرافق الصحية وانعدام الادوية المنقذة للحياة. واضاف انهم اطلقوا نداءات استغاثة عاجلة للمنظمات الدولية والوكالات الصحية للتدخل الفوري وارسال فرق تقصي وبائي وتوفير المستلزمات الطبية الضرورية لمنع وقوع كارثة صحية اوسع.

واقع صحي مأساوي في دارفور

وكشفت تقارير طبية ان معاناة جبل مرة ليست استثناء بل هي انعكاس لواقع كارثي في عموم اقليم دارفور حيث عالجت فرق طبية دولية آلاف الحالات خلال الاشهر الماضية. واوضحت المنظمات الانسانية ان ثلاث سنوات من الحرب ادت الى تفكيك برامج التطعيم وانهيار انظمة الترصد الوبائي مما جعل الاطفال عرضة لامراض كان يمكن الوقاية منها بسهولة.

واكد ناشطون محليون ان السكان في المناطق النائية يلجؤون الى علاجات تقليدية بدائية مثل خلطات الطين بسبب غياب الكوادر المؤهلة والادوية المعتمدة. وشدد الناشط سليمان ادم على ان هذه الممارسات ليست سوى محاولة يائسة للبقاء على قيد الحياة في ظل غياب البديل الطبي وغياب تام لدور المنظمات في الوصول الى تلك المناطق المعزولة.

واشار المتحدث باسم المنسقية العامة للنازحين ادم رجال الى ان مخيمات النزوح تحولت الى مراكز لتفشي الاوبئة مع تسجيل حالات كوليرا وملاريا بجانب الحصبة. واوضح ان الاكتظاظ السكاني في المساكن المؤقتة ونقص الغذاء والمياه النظيفة فاقم من سوء التغذية لدى الاطفال مما جعل مناعتهم غير قادرة على مقاومة الامراض المعدية.

مخاطر بيئية واكتظاظ قاتل

واكد النازحون في جبل مرة انهم فروا من جحيم الحرب الى قمم الجبال بحثا عن الامان لكنهم وجدوا انفسهم في فخ مميت بسبب الاكتظاظ وظروف المعيشة القاسية. واضاف ابو بكر هارون ان العائلات تعيش في حجرات ضيقة وغير مجهزة مما يجعل انتقال الامراض بين الاطفال امرا حتميا في ظل غياب ابسط مقومات النظافة والخدمات الصحية.

واوضح مسؤول الصحة ان انتشار القوارض والزواحف السامة في محيط المساكن المؤقتة زاد من معاناة الاهالي الذين لا يملكون امصالاً لمواجهة لدغات العقارب او علاجاً للاصابات الناتجة عن البيئة الجبلية الوعرة. واكد ان موسم الامطار القادم قد يفاقم الازمة بشكل اكبر حيث ستتضرر الخيام وتتلوث مصادر المياه المحدودة مما قد يحول الجبل الى ساحة موت صامتة.

وختاما ناشدت المنسقية العامة للنازحين المجتمع الدولي والامم المتحدة بتحمل مسؤولياتهم تجاه المدنيين في دارفور والعمل على فتح مسارات آمنة لإيصال المساعدات واللقاحات. واكدت ان اي تأخير اضافي في الاستجابة الانسانية يعني حكماً بالاعدام على آلاف الاطفال الذين يعانون اليوم من نقص حاد في كل شيء بانتظار نجدة قد لا تأتي.