وسط انقاض الحرب التي طالت مدينة الجنينة في غرب دارفور، اختارت جامعة الجنينة ان تكتب فصلا جديدا من الصمود الاكاديمي بعيدا عن ديارها، حيث نجحت الجامعة في نقل نشاطها التعليمي الى مدينة ادري التشادية لتتحول من مؤسسة مدمرة الى منارة علم ترفض الانكسار امام ظروف اللجوء القاسية. واثبتت الجامعة ان الارادة البشرية اقوى من آلات الدمار، اذ استقبلت مدينة ادري مئات الطلاب السودانيين الذين اصروا على استكمال مسيرتهم الدراسية رغم فقدان مقراتهم وكتبهم ومختبراتهم في الداخل السوداني.

وكشفت بيانات الجامعة ان استئناف الامتحانات لم يكن مجرد اجراء اداري، بل كان رسالة تحدي واضحة، حيث جلس اكثر من 700 طالب وطالبة لأداء امتحاناتهم النهائية بعد انقطاع قسري دام سنوات طويلة. واظهرت هذه الخطوة حجم التنسيق العالي بين ادارة الجامعة والسلطات التشادية والمنظمات الدولية التي سعت لتوفير بيئة تعليمية بديلة للطلاب النازحين في المخيمات والمناطق الحدودية.

وبين مدير الجامعة بالانابة الدكتور احمد آدم هارون ان استئناف الامتحانات جاء ثمرة لجهود مضنية، موضحا ان المفوضية السامية لشؤون اللاجئين ساهمت بشكل فعال في حصر الطلاب وتحديد اماكن تواجدهم لضمان عدم ضياع مستقبلهم الدراسي. واكد هارون ان التحديات كانت كبيرة، لكن التكاتف الطلابي والاداري كان الوقود الحقيقي لاستمرار العملية التعليمية في ظل غياب ابسط الامكانيات.

واقع الدمار وتحديات الاستمرارية

وتعرضت جامعة الجنينة التي تأسست قبل سنوات طويلة لضربات موجعة جراء النزاع المسلح، حيث اشارت التقارير الى دمار شامل طال المبنى الرئيسي بنسبة بلغت 100 بالمئة. واضافت الجامعة في تقاريرها ان الخسائر لم تتوقف عند الحجر، بل امتدت لتشمل فقدان كوادر اكاديمية وادارية وازنة بين قتيل ونازح، مما وضع الجامعة امام تحدي البقاء في المنفى.

واكد نائب مدير الجامعة ان الامتحانات عقدت في ظروف امنية وصحية بالغة الصعوبة، مشددا على ان الاعتماد كان كليا على المبادرات الذاتية والتعاون الميداني. واوضح ان السلطات التشادية استجابت لنداء الاستغاثة ومنحت الجامعة مقرا في مدرسة نور الابصار بمدينة ادري، وهو ما شكل نقطة انطلاق لعودة كليات مثل العلوم الصحية والتربية والاقتصاد للعمل من جديد.

واشار المسؤولون الى ان العمل لا يقتصر على قاعات المحاضرات فقط، بل يمتد ليشمل توفير السكن والخدمات المعيشية للطلاب بالتعاون مع الصندوق القومي لرعاية الطلاب. واضاف ان الجهود مستمرة لزيادة القدرة الاستيعابية للخدمات مع تزايد اعداد الطلاب الوافدين، داعيا المجتمع الدولي الى تقديم دعم ملموس لضمان استقرار العملية التعليمية.

شراكة انسانية في زمن النزوح

وثمنت ادارة الجامعة الدور المحوري لجمهورية تشاد حكومة وشعبا في استضافة الطلاب السودانيين، مبينا ان هذا الموقف يجسد اواصر الاخوة والجوار في اصعب الظروف. واكدت الجامعة ان التنسيق مع مقاطعة اسنقا كان له الاثر الكبير في حل ازمات السكن والايواء التي واجهت آلاف الطلاب الذين وجدوا انفسهم فجأة في بلد غريب.

وكشفت الجامعة عن نجاحها في تخريج دفعات جديدة من الطلاب في مدينة ادري، وهو ما يعد مؤشرا قويا على حيوية هذه المؤسسة التي ترفض التوقف. واضافت ان خريجي كلية العلوم الصحية التطبيقية انخرطوا بالفعل في العمل بالمراكز الصحية التشادية، مما يعكس الفائدة المتبادلة بين الجامعة والمجتمع المضيف.

واختتمت الجامعة بيانها بالتأكيد على ان التعليم سيظل هو الضوء الذي لا ينطفئ، موضحة ان مسيرة التخريج ستتواصل رغم كل العواصف. ويبقى الامل معلقا في عودة قريبة الى الديار، الا ان مدينة ادري ستظل محفورة في ذاكرة هؤلاء الطلاب كوطن بديل احتضن احلامهم حين اغلقت الابواب في ديارهم.