تتفاعل في الاوساط الحقوقية والدولية قضية الناشط الفلسطيني عبد الكريم رائد مقداد بعد ان قامت السلطات الاندونيسية باعتقاله وترحيله بشكل مفاجئ الى قبرص في غضون اقل من اربع وعشرين ساعة من توقيفه. وتأتي هذه التطورات وسط حالة من الترقب والمخاوف العائلية والحقوقية من ان يكون هذا الاجراء مدخلا لعملية تسليم سياسية قد تنتهي بوقوعه في قبضة الاحتلال الاسرائيلي. وقد تضاربت الروايات بين التبريرات الرسمية الاندونيسية التي تشير الى وجود طلب من الانتربول وبين التحذيرات من وجود ابعاد سياسية خفية وراء هذه السرعة غير المبررة في التنفيذ.
واكدت الشرطة الوطنية الاندونيسية ان توقيف مقداد جاء تنفيذا لنشرة حمراء صادرة عن الانتربول بناء على طلب من مكتب نيقوسيا في قبرص. واوضح العميد اونتونغ ويدياتموكو امين المكتب المركزي للشرطة الدولية في اندونيسيا ان الشخص المعني ليس ناشطا كما يتردد في منصات التواصل الاجتماعي بل هو متهم في قضايا مرتبطة بالارهاب. وبين المسؤول الامني ان عملية الاعتقال تمت في السادس عشر من يوليو تموز الماضي وجرى ترحيله في اليوم التالي مباشرة بعد انهاء كافة المتطلبات القانونية والادارية.
وكشفت التحقيقات الاندونيسية ان مقداد كان يحوز ثلاثة جوازات سفر منها جواز فلسطيني واثنان اوروبيان تبين انهما مزوران ومدرجان ضمن قاعدة بيانات الوثائق المسروقة والمفقودة الخاصة بالانتربول. ونفت جاكرتا بشكل قاطع وجود اي ترتيبات لنقل المعتقل الى اي دولة اخرى مؤكدة ان تحركها كان تقنيا ومهنيا صرفا يهدف لتنفيذ المذكرات الدولية دون الدخول في اي اعتبارات سياسية او شخصية.
تفاصيل مذكرة الاعتقال المثير للجدل
واظهرت الوثائق التي تم الكشف عنها ان قرار الاعتقال قد صدر عن الوحدة 88 المختصة بمكافحة الارهاب في اندونيسيا. واضافت المذكرة ان السلطات بررت سرعة التحرك بوجود مخاوف حقيقية من احتمالية هروب المشتبه به او قيامه بإتلاف ادلة تتعلق بالقضايا المنسوبة اليه. وشددت المذكرة على ان الاجراءات استندت الى قوانين مكافحة الارهاب المحلية بالتوازي مع طلبات الانتربول الدولية.
وبينت التحليلات القانونية ان السلطات الاندونيسية كانت تمتلك صلاحيات قانونية لاحتجاز مقداد لمدة تصل الى اسبوعين مع امكانية التمديد. واكدت الجهات الحقوقية ان ترحيله خلال اقل من يوم واحد يطرح علامات استفهام كبيرة حول مدى قدرة المعتقل على ممارسة حقه في الطعن بالقرار او تأمين دفاع قانوني عادل قبل ترحيله القسري الى قبرص.
واشار مجلس جنيف للحقوق والحريات الى انه يتابع القضية منذ اللحظات الاولى معربا عن قلقه العميق من هذا التسارع. واوضحت المنظمة ان الوثائق المتاحة تفتقر الى عرض واضح للوقائع او طبيعة الادلة الجنائية التي استند اليها القرار مما يضعف من ضمانات المحاكمة العادلة ويثير شكوكا حول سلامة الاجراءات المتبعة.
مخاوف من المصير المجهول والمطالبة بالشفافية
وحذر مجلس جنيف من ان تكون وجهة قبرص مجرد محطة اولية لعملية تسليم اوسع الى اسرائيل. واضاف المجلس ان نشاط مقداد في دعم الحقوق الفلسطينية ومناهضته للحرب على قطاع غزة قد يجعل منه هدفا سياسيا. وطالب بضرورة اجراء تدقيق قضائي مستقل لضمان عدم استغلال آليات التعاون الجنائي الدولي في تصفية حسابات سياسية او المساس بحقوق المدافعين عن حقوق الانسان.
واعربت عائلة مقداد عن صدمتها من سرعة الاجراءات ووصفتها بأنها قائمة على شبهات مصدرها جهات معادية. وطالبت العائلة السلطات القبرصية بضرورة تمكين ابنها من التواصل مع محاميه وافراد اسرته وضمان عدم تعرضه لأي تهديدات او تسليم قسري قد يودي بحياته في ظل المخاطر التي يتعرض لها الفلسطينيون في سجون الاحتلال.
ودعا مجلس العلماء الاندونيسي الحكومة والاجهزة الامنية الى تقديم توضيح رسمي وشفاف للرأي العام حول كافة ملابسات هذه القضية. واكد الدكتور سودارنوتو عبد الحكيم ان احترام الالتزامات الدولية يجب ان يسير جنبا الى جنب مع الالتزام بمبادئ الشفافية وحقوق الانسان وحق الدفاع القانوني الكامل للمتهم.
مواقف الهيئات الفلسطينية وتحركات المستقبل
واكدت هيئة علماء فلسطين ان عبد الكريم مقداد عضو فيها وطالبت بكشف كامل لادلة الاتهام. وشددت الهيئة على ضرورة منع اي مسار قانوني قد يؤدي الى تسليمه للاحتلال الاسرائيلي الذي يهدد امنه وحريته. وطالبت الهيئة السلطات في جاكرتا وقبرص بضرورة العمل على تأمين عودته او نقله الى بلد آمن يضمن سلامته الشخصية.
وحثت الهيئة الجهات الفلسطينية الرسمية ومنظمة التعاون الاسلامي والجامعة العربية على التحرك الدبلوماسي العاجل لحماية مقداد. واكدت ان التزام الصمت في هذه القضية قد يفتح الباب امام سوابق خطيرة في التعامل مع النشطاء الفلسطينيين في الخارج وتعريضهم لمخاطر الاعتقال والترحيل السياسي.
وختاما لا تزال السلطات الاندونيسية تتمسك بروايتها حول قانونية الاجراءات والتزامها بالانتربول. بينما ترفض السلطات القبرصية حتى اللحظة التعليق على القضية. وتستمر المنظمات الحقوقية في الضغط لضمان عدم تحول هذه القضية الى حالة من التغييب القسري او التسليم الذي يفتقر الى ادنى معايير العدالة الدولية.
