بقلم: عوني الرجوب

باحث وكاتب سياسي

في زمنٍ تتسع فيه مساحات الخلاف، وتعلو فيه الأصوات المتصارعة على حساب لغة العقل والحوار، تبقى الشخصيات الوطنية التوافقية حاجةً للدولة والمجتمع معاً، لأنها تشكل جسوراً بين الآراء المختلفة، وتقدم المصلحة الوطنية على أي اعتبار آخر.

ومن بين هذه الشخصيات يبرز اسم دولة سمير الرفاعي بوصفه أحد السياسيين الأردنيين الذين استطاعوا، عبر سنوات طويلة من العمل العام، أن يحافظوا على حضورهم واحترامهم في المشهد الوطني، سواء اتفق معه الناس في بعض المواقف أو اختلفوا معه في بعضها الآخر.

فالسياسة ليست أن يتفق الجميع مع المسؤول، وإنما أن يحترموا وطنيته ونزاهة مقصده وقدرته على الحوار. وهذه من الصفات التي جعلت الرفاعي يحظى بمكانة خاصة لدى شريحة واسعة من الأردنيين الذين يرون فيه رجل دولة يؤمن بالمؤسسات ويحترم الدستور ويضع استقرار الوطن فوق كل اعتبار.

وإذا كانت الخبرة السياسية تصنع رجل دولة، فإن التواضع والأدب الجم يصنعان مكانته في قلوب الناس. ولعل دولة سمير الرفاعي من الشخصيات التي جمعت بين المكانة الرفيعة والأخلاق الرفيعة، فظل احترامه للآخرين وتواضعه في التعامل سمةً ملازمة له، لا تغيرها المناصب ولا تبدلها المواقع. فرغم ما تقلده من مسؤوليات ومواقع متقدمة في الدولة، بقي قريباً من الناس، حسن الاستماع، راقياً في خطابه، مؤمناً بأن الاحترام قيمة إنسانية تسبق كل المناصب والألقاب.

وقد أدرك كثير ممن التقوه أو تعاملوا معه أن التواضع ليس مجرد سلوك اجتماعي عابر، بل نهج ثابت في شخصيته، يظهر في حسن الاستماع، وتقدير الآخرين، واحترام الرأي المختلف، والتعامل مع الجميع بروح من اللياقة والتهذيب. وهذه الصفات هي التي تمنح الإنسان مكانته الحقيقية في قلوب الناس، وتجعله يحظى بالتقدير ليس فقط لما شغله من مناصب، بل لما يحمله من أخلاق وقيم نبيلة.

ولعل أجمل ما في بعض الشخصيات العامة أنها تنجح في المحافظة على إنسانيتها رغم ما بلغت من مكانة ومسؤولية، ودولة سمير الرفاعي من هذه النماذج. فالكثير ممن عرفوه أو تعاملوا معه لا يرون فيه مجرد مسؤول أو رجل دولة فحسب، بل يرون فيه الأخ والصديق المتواضع، الذي لم تحجبه المناصب عن الناس، ولم تخلق بينه وبينهم حواجز من التكلف أو التعالي.

وعرفته عن قرب، فوجدت فيه الأخ والصديق المتواضع، الذي يحمل كل الود والاحترام للجميع، ويتعامل مع الناس بأدب جم وخلق رفيع، بعيداً عن التكلف أو التعالي. وهي شهادة أقولها بكل صدق، لأن الأخلاق الحسنة تبقى أكثر ما يعلق في الذاكرة، وأكثر ما يمنح الإنسان محبة الناس واحترامهم.

لقد أثبتت التجارب أن الدول لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالعقول القادرة على إدارة الاختلاف وتحويله إلى قوة، وبالرجال الذين يدركون أن الحفاظ على تماسك الدولة أهم من أي مكسب سياسي عابر. ومن هنا يمكن فهم حضور الرفاعي في كثير من المحطات الوطنية بوصفه شخصية تميل إلى الحوار والتوافق، وتؤمن بأن الأردن أكبر من كل الخلافات والتجاذبات.

والحقيقة أن الاحترام الذي يحظى به أي مسؤول لا يُفرض بقرار، بل يُكتسب عبر سنوات من العمل والعطاء والحضور الهادئ. وما يميز الشخصيات التوافقية أنها لا تبحث عن الأضواء بقدر ما تبحث عن النتائج، ولا تجعل من الاختلاف خصومة، ولا من النقد عداءً.

إن الأردن، بقيادته الهاشمية الحكيمة، كان دائماً بحاجة إلى رجال دولة يمتلكون الخبرة والرؤية والقدرة على التعامل مع التحديات بعقلانية واتزان، بعيداً عن الانفعال والمزايدات. ودولة سمير الرفاعي يُعدّ بالنسبة لكثيرين نموذجاً لهذه المدرسة السياسية التي تؤمن بالدولة ومؤسساتها، وتحترم الرأي الآخر، وتدرك أن قوة الأردن تكمن في وحدته واستقراره وتماسك جبهته الداخلية.

وفي النهاية، قد تختلف الآراء حول السياسات والقرارات، وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع حي، لكن تبقى هناك شخصيات يلتقي حولها الأردنيون احتراماً لتاريخها وخبرتها ودورها الوطني، ولما تتحلى به من أخلاق رفيعة وتواضع صادق وأدب جم واحترام للآخرين. فالمناصب تزول، أما السيرة الطيبة فتبقى، ويبقى احترام الناس هو الوسام الأصدق الذي يحمله الإنسان في مسيرته العامه