يتحرك الاتحاد الاوروبي بخطوات استراتيجية واسعة لتعزيز استقلاليته الرقمية وتحقيق سيادة تكنولوجية تنهي حالة الاعتماد الكلي على الشركات الامريكية. وتتضمن هذه التحركات حزمة تشريعات جديدة تشمل قطاعات الرقائق الالكترونية والحوسبة السحابية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، بهدف تقليص التبعية للخارج ودعم التصنيع المحلي في اطار مساعي بروكسل لاستعادة مكانتها في السباق الجيوسياسي العالمي.
واوضحت التقارير ان التعديلات الجديدة على قانون الرقائق تاتي استجابة لمخاوف متصاعدة من هيمنة مزودي الخدمات الامريكيين على السوق الاوروبي، حيث تسيطر الشركات الامريكية على حصة ضخمة تتجاوز 70 بالمئة من البنية التحتية السحابية. واكدت مسؤولة المنافسة في الاتحاد الاوروبي تيريزا ريبيرا ان تطوير قدرات تقنية ذاتية اصبح ضرورة ملحة لحماية القيم الاقتصادية والقرارات السيادية للدول الاعضاء.
وبينت التحليلات ان القلق الاوروبي تزايد بشكل ملحوظ مع التغيرات في المشهد السياسي الامريكي، مما دفع العواصم الاوروبية للتفكير في سيناريوهات بديلة لضمان استمرارية الخدمات الحيوية بعيدا عن اي ضغوط خارجية قد تؤدي لتعطيل البنية التحتية الرقمية في القارة.
مخاوف من سيناريوهات الانقطاع التقني
وذكرت مصادر مطلعة ان هناك تخوفات حقيقية من تكرار ازمات سابقة، مثل واقعة فقدان مسؤولين دوليين القدرة على استخدام وسائل الدفع الالكتروني بسبب ارتباطها بشركات امريكية خضعت لقرارات سياسية. واضاف عضو البرلمان الاوروبي اوليفر شينك ان التوجه الجديد لا يهدف لعداء الشركاء التجاريين، بل يركز على ضرورة تجنب الاعتماد المفرط على طرف خارجي واحد في مجالات حساسة.
وشددت بروكسل على اهمية معالجة الثغرات في السياسات الصناعية السابقة، حيث سيركز التشريع المرتقب على تحفيز الطلب المحلي وتنسيق المشتريات بين الدول الاعضاء. واظهرت مسودة القوانين الجديدة توجها نحو الشراء المشترك للرقائق، مما يعزز من قوة الاتحاد في مواجهة نقص الامدادات ويجعل تدابير الطوارئ اكثر تنظيما وفعالية.
واكد خبراء ان استراتيجية بروكسل الجديدة تعتمد على تبادل المعلومات الاستباقي بين الشركات والجهات الرقابية، لضمان استجابة سريعة لاي اضطرابات قد تصيب سلاسل التوريد العالمية لاشباه الموصلات.
استراتيجية التنافسية لا الحماية
واوضح تقرير حديث ان حزمة السيادة التكنولوجية لا تتبنى نهجا انعزاليا، بل تقوم على مبادئ المنافسة العادلة وتعزيز البنية التحتية الحيوية. واضافت رئيسة اللجنة الرقمية في الاتحاد الاوروبي هينا فيركونين ان هذه الاجراءات تهدف بالاساس الى تمكين الدول الاوروبية من اللحاق بركب التطور التكنولوجي المتسارع في الولايات المتحدة والصين.
وبينت كريستينا كافارا، رئيسة حركة يورو ستاك، ان التوجه الاوروبي نحو البرمجيات مفتوحة المصدر يعد خطوة جوهرية لتعزيز السيادة الرقمية. واكدت ان الاعتماد على هذه المصادر يمثل نقطة قوة رئيسية لاوروبا، حيث يتيح لها بناء حلول تقنية مستقلة وموثوقة تتوافق مع المعايير الاوروبية.
واوضحت القوانين الجديدة وجود مستويات محددة للسيادة على البيانات والذكاء الاصطناعي، حيث يتوجب على السلطات مراعاة هذه المعايير عند اتخاذ قرارات الشراء بناء على درجة حساسية البيانات المستخدمة.
ردود الفعل الامريكية
وحذر المبعوث الامريكي لدى الاتحاد الاوروبي اندرو بوزدر من ان التشدد في القوانين قد يؤدي الى اغلاق الاسواق، مشددا على ان الاقتصاد الرقمي العالمي يعتمد على التكامل وليس التخلي المتبادل. واضاف ان الشركات الامريكية تؤكد التزامها الكامل بخصوصية البيانات الاوروبية وامتثالها للتشريعات المحلية.
واظهرت ردود فعل قطاع الاعمال الامريكي محاولات لطمأنة الاوروبيين، حيث اكد مسؤولون في تحالفات تقنية انه لا توجد نوايا مبيتة لتعطيل البنية التحتية الاوروبية في اوقات الازمات. واوضحوا ان الشركات الامريكية تسعى للحفاظ على علاقات تجارية مستقرة مع التكتل الاوروبي مع مراعاة كافة المتطلبات القانونية الجديدة التي تفرضها بروكسل.
