تتزامن ذكرى انسحاب الجيش الاسرائيلي من جنوب لبنان في الخامس والعشرين من مايو مع تحولات سياسية وميدانية عميقة تعيد قراءة المشهد اللبناني برمته. وبينما كان هذا التاريخ يمثل لسنوات رمزا للانتصار وقوة الردع، بات اليوم محورا لنقاشات حادة حول مآلات السلاح وتأثير النفوذ الاقليمي على القرار الوطني. واظهرت التطورات الاخيرة ان المعادلات التي سادت منذ عام 2000 اصطدمت بواقع ميداني مختلف تماما عما روجت له السرديات الحزبية طوال عقود.
واضافت المناسبة هذا العام ابعادا سياسية جديدة في ظل الجدل الذي رافق اعلان الحكومة عطلة رسمية تضامنا مع اهالي الجنوب والنازحين. واكد مراقبون ان هذا القرار جاء في توقيت حساس يعكس الانقسام الداخلي حول وظيفة السلاح والجدوى من معادلات الاشتباك التي ادت الى دمار واسع. واوضح محللون ان ما كان يسمى بقوة الردع تحول في نظر الكثيرين الى عبء استراتيجي تسبب في استدراج البلاد نحو مواجهات مفتوحة غيرت موازين القوى على الارض.
وبينت القراءات السياسية ان التغيير الجوهري يكمن في انهيار مفهوم الردع الذي ثبت انه لم يكن سوى نظرية هشة امام المتغيرات الدولية. واشار متابعون الى ان الانسحاب الاسرائيلي في عام 2000 لم يكن وليد قدرة الردع المستقلة بل نتيجة توازنات اقليمية وحسابات دولية معقدة. وشدد هؤلاء على ان المرحلة الحالية تفرض على اللبنانيين اعادة التفكير في كيفية استعادة سيادة الدولة بعيدا عن التجاذبات التي تفرضها القوى الخارجية.
تحولات في موازين القوى والنفوذ
واكد النائب فادي كرم ان الذكرى تحمل دلالات تتجاوز الاحتفال بالتحرير لتصل الى جوهر الازمة اللبنانية المرتبطة بالارتهان للخارج. واوضح ان الخطر الحقيقي الذي يواجه البلاد ليس مقتصرا على الاحتلال العسكري الذي انتهى منذ سنوات طويلة، بل يتجاوزه الى ما وصفه بالاحتلال الفكري والايديولوجي الذي مارسته قوى اقليمية. واضاف ان لبنان اليوم يقف امام مفترق طرق حيث تراجع النفوذ الخارجي وباتت الحاجة ملحة لاستعادة القرار الحر والمستقل بعيدا عن خطابات التعبئة.
واشار كرم الى ان التباين بين عامي 2000 و2026 يظهر بوضوح في تراجع نفوذ طهران وتغير المقاربات الدولية تجاه الساحة اللبنانية. وبين ان الدولة اللبنانية تحاول جاهدة التفاوض عن نفسها والامساك بزمام المبادرة في ملفات الحرب والسلم. وشدد على ان الفريق الحليف للخارج لم يعد قادرا على مصادرة القرار الوطني كما كان يفعل في السابق رغم محاولات التمسك بالخطاب القديم.
واكد النائب مارك ضو من جهته ان ما عرف بمفهوم الردع كان مجرد وهم جرى الترويج له لتبرير بقاء السلاح خارج اطار الدولة. واوضح ان وظيفة السلاح تغيرت بشكل جذري بعد الانسحاب السوري، حيث تحول من اداة مقاومة الى وسيلة لفرض هيمنة سياسية وامنية. واضاف ان المواجهات الاخيرة كشفت زيف الادعاءات حول حماية السلاح للسيادة، مؤكدا ان وجوده اصبح ذريعة دائمة للعدوان وسببا في تعطيل مؤسسات الدولة.
اختبار الرواية في ظل الحرب
وكشف الكاتب السياسي علي الامين ان ما كان يسمى بمعادلة الردع سقطت كليا تحت وطأة الحرب الاخيرة التي اظهرت اختراقات عميقة في البنية الامنية. واوضح ان السردية التي بنيت على مدى سنوات لم تصمد امام الاختبار الميداني القاسي الذي كشف ضعف القواعد التي كانت تحكم المواجهة. واضاف ان الكثيرين ممن صدقوا هذه الرواية اصطدموا اليوم بواقع مرير دفعهم لاعادة تقييم مواقفهم من منظومة السلاح ككل.
وبين الامين ان تل ابيب اعادت النظر في قواعد الاشتباك بناء على المعطيات الجديدة التي افرزتها التطورات الاخيرة في جنوب لبنان وغزة. واكد ان حجم التداعيات التي لحقت بالبنية القيادية والميدانية للحزب طرح تساؤلات مشروعة حول جدوى الاستمرار في مسارات ثبت فشلها. وشدد على ان المرحلة القادمة ستكون اختبارا حقيقيا لقدرة اللبنانيين على التوحد حول مشروع الدولة بعيدا عن الاوهام التي تلاشت.
واضاف ان الاختبار القاسي الذي مر به لبنان يفرض ضرورة التمسك بالقرارات الدولية كمرجعية وحيدة لحماية البلاد. واوضح ان حصرية السلاح بيد الدولة هي الضمانة الوحيدة لمنع تكرار المآسي التي عاشها الجنوبيون. وشدد على ان استعادة الدولة لقرارها هو السبيل الوحيد لطي صفحة الحروب والبدء في مرحلة جديدة من الاستقرار والازدهار الوطني.
