يُعدّ الشاعر العراقي حميد سعيد أحد الذين شاركوا في صناعة تجربة جيل الستينيات العراقي، صاحب الإضافات المهمة في القصيدة العربية، ومن أبرز أسمائه سركون بولص، فاضل العزاوي، سامي مهدي، حسب الشيخ جعفر، مؤيد الراوي، فوزي كريم، وصادق الصائغ. وقد حظي شعر سعيد بالعديد من الدراسات النقدية والأكاديمية، مثل كتاب "المعلقة البغدادية: محاولات في تحليل قصائد حميد سعيد" للناقد الأكاديمي ضياء خضير. وبعد فوز سعيد بـ"جائزة العويس" في دورة 2024-2025، صدر عن دار "دجلة" كتاب نقدي جديد للناقدة العراقية لهيب عبد الخالق، بعنوان "الكيان الذي لا يعود: التحول الأنطولوجي في شعر حميد سعيد"، يعتمد على قراءة مختارات من ست مجموعات شعرية، كما وردت في كتاب الأعمال الشعرية الصادر عن مؤسسة العويس.

تقول الناقدة في مقدمة كتابها إنه محاولة لقراءة نصوص حميد سعيد من داخلها، انطلاقًا من إحساسها بأنها لا تُقرأ غالبًا إلا بوصفها تعبيرًا عن موضوعات مثل المنفى، والذاكرة، والوطن، والتاريخ، بينما يظل ما يتحرك في أعماق هذه النصوص أقل ظهورًا في الخطاب النقدي. ويبدو أن الناقدة تحاول نقل مركز الاهتمام من موضوع القصيدة إلى الكيفية التي تنتج بها عالمها الخاص، وذلك عبر الجمع بين التأمل الفلسفي، والتحليل اللغوي والشعري، وقراءة الألفاظ والتراكيب والصور والعلاقات الداخلية، للوصول إلى رؤية متكاملة تتجاوز إعادة وصف الموضوعات. ويتطلب ذلك العودة إلى النصوص نفسها من خلال اختيار الأفعال والأزمنة والضمائر، وتركيب الجمل، والصور والاستعارات، والعلاقات بين المقاطع، والتكرار، والإيقاع، والوقفات.

ترى الناقدة أن أهمية تجربة سعيد تكمن في أنها تفتح داخل اللغة نفسها مجالًا لرؤية مركبة، يتداخل فيها الذاتي بالتاريخي، والذاكرة بالأسطورة، والواقعي بما يتسرب من خارجه. وفي ذلك إشارة إلى الرموز والأساطير والأحلام والقلق الوجودي. وفعل "التسرب" هنا لا يعني تجاوز حضور الواقع في القصيدة، بل يشير إلى تدخل عناصر أخرى في نسيجه، فتغير من دلالاته من دون أن تلغي حضوره.

وتنسب الناقدة التحول في شعر سعيد إلى الأنطولوجيا، بما هي علم الوجود، وتنطلق في دراستها من فرضية أن الكلمة ليست وعاءً للمعنى، بل كائن أنطولوجي. وتجتهد في البرهنة على أن هناك تغيرًا في النظر إلى موقع المفردة ودلالتها داخل النص، بحيث لا تُعدّ محصورة في معناها المباشر، بل تصبح حاملة لتجربة إنسانية مركبة. وهي بذلك تسير بهدي منهج لا تقف فيه المفردة الشعرية عند حدود معناها المباشر، بل هي كناية عن حياة تحمل تاريخًا من الاستخدامات والاستعارات والصور، ولها جرسها وإيقاعها، وتكتسب دلالات جديدة من الكلمات التي تجاورها. وبهذا المعنى، تبقى المفردة كائنًا لغويًا لا يستنفدها تعريف قاموسي، ولا تستمد وجودها منه، بل تتجدّد إمكاناتها مع كل سياق شعري جديد، وهو ما يميز تعبيرًا شعريًا من آخر. وهي في الصورة الشعرية مجاز، أما بوصفها كائنًا أنطولوجيًا، فهي تحيل إلى الكيفية التي تتحوّل بها الأشياء، أو يُعاد تشكيلها حين تدخل عالم القصيدة.

 

من جماليات اللغة عند ح. سعيد، الذي يجدد داخل نظامه الخاص، أنها، بحسب الناقدة، لا تنقل المعنى من خارجها، بل تنتجه من داخلها

 

يتكون الكتاب من سبعة فصول تتناول جماليات اللغة الشعرية، والذاكرة والمنفى، والأنثى بوصفها فضاءً أنطولوجيًا، وتحولات الكيانات في الزمن المنشطر، والمدينة والمكان، والرؤيا الوجودية للشعر، وحميد سعيد والحداثة الشعرية العربية. وتتناول الناقدة هذه العناوين بتوسع، مستندة إلى عدد وافر من الفرضيات المدعومة بشواهد شعرية. لكنها تتجنب الانزلاق إلى المناهج التقليدية المتعارف عليها في قراءة الشعر، وتجتهد في تقديم أطروحة نقدية جديدة، تستند إلى استنطاق النص نفسه، وتوليد رؤية خاصة تكشف عناصره الداخلية، مع استبعاد الأدوات الخارجية والفرضيات الجاهزة. وتلك مغامرة تحتاج إلى فحص معمق، ليس لتقدير نسبة نجاحها فحسب، بل لتحديد مدى ملاءمتها بوصفها منهجًا جديدًا في التعامل مع تجربة شعرية ليست وليدة مخيلة حداثة قريبة العهد، ولا تستمد خصوصيتها من مصادر خارجية وحدها. فحميد سعيد يبقى أحد أفراد جيل الستينيات العراقي، الذي امتلك روحًا خاصة، ولم يحلق بعيدًا عن سربه، رغم ما اتسمت به تجربته الحياتية من خصوصية. ولا تقوم حداثة نصه على كسر الشكل، بل على "إعادة تعريفه من الداخل".

ومن جماليات اللغة عند هذا الشاعر، الذي يجدد داخل نظامه الخاص، أنها، بحسب الناقدة، لا تنقل المعنى من خارجها، بل تنتجه من داخلها، فيما تتكون الدلالة في لحظة انزياحها، لا نتيجة استقرارها. أما الإيقاع، فلا ينتظم بوصفه نظامًا موسيقيًا مكتملًا، بل يتشكل من توتر داخلي. وفي ذلك ترى الناقدة أن قصيدة سعيد إيقاعية، بالمعنى الذي لا يحيل إلى الوزن، بل إلى "هندسة الصوت داخل الزمن"، فالإيقاع هنا لا يُقاس بالتفعيلة، لكن يمكن إدراكه بوصفه حركة وانتقالًا، ورجع صدى. وهو بذلك لا يعلن القطيعة مع التراث الإيقاعي، بل "يعيد تشغيله ضمن نص مفتوح".

“لا يمكن قراءة نص سعيد بمعزل عن تجربة جيله، التي انتكست سياسيًا، ولم تبلغ مداها الإبداعي”

 

إنها لغة ذات قلق كامن في تشكل العبارة، لا تكشف عن المعنى كاملًا، بل تظل عند حافة ما يمكن قوله، من دون أن تستقر فيه تمامًا. وهو ما يولّد التوتر الذي يخلق الإيقاع الداخلي، والرجفة التي تنبثق من التناوب الجدلي بين الفراغ والامتلاء. هي لغة لا تركن إلى الثبات، بل تظل مشدودة إلى الاختلاف. وتستنتج الناقدة من ذلك أن هذا هو ما "يمنح النص حركته الخاصة"، وأن فرادته تكمن في أنه لا يتقدم في خط مستقيم، بل يتحرك على نحو يشبه حصان امرئ القيس: "مكر مفر".

تتمثل ذروة الجمالية، حسب أطروحة الناقدة، في أن القصيدة تظل في حال انتباه دائم، ذات نظام خاص يتشكل من داخلها، ولا يركن إلى السكون، أو يسير وفق ما هو مرسوم سلفًا، بل يتولد من توتر اللحظة. فالقصيدة ضربة برق لا نعرف متى تومض، ولا لماذا أو كيف، ولا ندركها إلا حين تتشظى وتتحول إلى شتات يعادل انكسار الذات الشعرية التي "تتحرك في زمنين في آن واحد: زمن يظهر، وآخر ينسحب، دون أن يختفي".

"الكيان الذي لا يعود"، في المحصلة، ليس الماضي الذي يرحل "لكنه لا ينقضي"، ولا البلد الذي بات بعيدًا، ولا الذاكرة التي "لا تعيد ما مضى كما هو"، فلا المكان "يستقر في جغرافيته"، ولا الزمن "في امتداده"، ولا المنفى هو المكان الذي "نقيم فيه دون أن نستقر"، بل إن الفكرة تتكثف في هذا المقطع: "لم يكن وجهه... من يكون هو الآن؟".

وفي نهاية المطاف، لا يمكن قراءة نص سعيد بمعزل عن تجربة جيله، التي انتكست سياسيًا، ولم تبلغ مداها الإبداعي. فهو من جيل الأحلام الكبرى، التي أُجهضت، والقصيدة التي اتشحت بالسواد، وخيمت عليها الرثائية والمرارة.