خاص - حسن صفيره
مدفوعاً برصيد سياسي وشبكة علاقات واسعة تؤهله لقيادة المشهد الفلسطيني السياسي القادم والذي يقف على منعطف مفصلي مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية والرئاسية الفلسطينية المقبلة، وما يتخلل ذلك من راهن سياسي غاية بالتعقيد يتعالق مع محور الصراع الفلسطيني الصهيوني من جهة والعربي والاقليمي والعالمي من جهة اخرى، لا يزال اسم القيادي محمد دحلان يُشكل حالة استنفار وتأهب في الحالة الفلسطينية برمتها ، فالبعض من منافسيه او خصومه او حتى مريديه ينظرون له بكثير من الترقب والحذر فيما سيؤول اليه مربعه الاعتباري والقيادي والشخصي في الداخل الفلسطيني، والحديث هنا عن رجل امتلك القوة التنفيذية والدبلوماسية في حلحلة "القادم الفلسطيني" واستطاع بفضل علاقاته الإقليمية الدفع باتجاه توفير ادوات سياسية من شأنها بلورة القضية الفلسطينة كحالة، وحصول الشعب الفسطيني على حقوقه .
في أروقة وصالونات ومنابر مهتمي ومتابعي الشأن الفلسطيني هناك حالة اجماع وإقرار -قصرية وطوعية- بما يملكه دحلان ولا يملكه غيره من خيوط متينة مع الحاضر الفلسطيني سياسيا واجتماعيا وحتى عقائديا، فعلى الصعيد الفصائلي، يتميز دحلان بمرونة سياسية فريدة، مكنته من الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة وعلاقات تنسيقية عالية المستوى مع مختلف القوى الفلسطينية بدءا من حماس والجهاد الإسلامي، مرورا بالقوى المستقلة في حركة فتح ومنظمة التحرير، وحتى شخصيات نافذة في السلطة الوطنية، مع ما شكله هذا الإجماع من قيًمة تكاملت مع عمق علاقاته العربية، حيث يحظى بثقة وازنة لدى قيادات دول الخليج، ومصر، والأردن، والسعودية، إلى جانب حضور دولي لافت تمثل في لقاءات ومؤتمرات دورية في عواصم أوروبية كبرى.
حالة الاستنفار والتأهب المعلنة والمبطنة في الداخل الفلسطيني والصالونات السياسية في المنطقة العربية والاقليمية بل والعالمية، تطل على المشهد من ذات النافذة، فلم يعد حضور دحلان مجرد ظاهرة نخبويّة، بل ترجمه لجهود واعية ومدروسة قوامها الحس الوطني قبل السياسي، كان بؤرة انطلاقته ظهور "تيار الإصلاح الديمقراطي" الذي أسسه قبل سنوات والذي اجتاح المناخ السياسي الفلسطيني كواقع جماهيري ملموس، بما يتمتع به من حاضنة شعبية واسعة في الشارع الفلسطيني والأوساط المجتمعية، متفوقاً في كثير من المفاصل على الأطر التقليدية لحركات وتنظيمات لم تخرج من عنق زجاجة الشعارات باسثناءات محدودة لحركات المقاومة ممن نجحوا في ضرب العمق الاستراتيجي لدولة الكيان وكشف عورته امام الرأي العام العالمي ، ليقف دحلان على دفة الدعم والاسناد والتنسيق وتمتين استراتيجية الخلاص لفرض الواقع السياسي والقيادي الفلسطيني امام خارطة العالم، ما يجعل منه الرقم الأصعب والضرورة السياسية الأبرز لقيادة المرحلة المستقبلية.
الأهم ولعله الأخطر في معادلة التعامل مع القيادي دحلان كمسلّمة وبديهية حتمية في المشهد السياسي الفلسطيني القادم، ما أسهمت به وشكلته مبادرة القيادي الأسير مروان البرغوثي بدعوته لتوحيد القوائم في قائمة واحدة، من بينها تيار الاصلاح، ما يقودنا الى ضرورة النظر لِثَقل وزن مبادرة البرغوثي لجهة ما يملكه من رصيد شعبي ساحق في الشارع الفلسطيني رغم وجوده في معتقلات الصهيونية لأكثر من عقدين، الا ان مبادرته بضم قوائم المنوي مشاركتهم في الانتخابات بقائمة واحدة باسم "فتح" تضم الحركة الأم، و"تيار الإصلاح الديمقراطي" اعطت شرعية مطلقة لأحقية دحلان في دخول حلبة المنافسة بكل المعايير الوطنية ، ووسط بيئة خصبة لكتلة التيار التي تحظى بشعبية واسعة في قطاع غزة، نظراً للدور الذي لعبه في الإغاثة منذ بدء الحرب قبل ثلاث سنوات، وما رافق ذلك لاحقا -كما اسلفنا في تحليل سابق- للدور التنسيقي الذي لعبه دحلان خلال الفترات الماضية بتقريب وجهات النظر بين اصحاب القرار الفلسطيني ولقاءاته مع رموزها لترتيب المرحلة الفلسطينية الراهنة والقادمة.
وفي السياق ذاته، وازاء التطور "الدراماتيكي" الذي أحاط المناخ السياسي الفلسطيني وهو على اعتاب "لململة" أوراقه واعادة ترتيبها استعدادا للمرحلة القادمة، ، فإن المتتبع لإفرازات اعادة ترتيب الأوراق، يلحظ وبشدة بأن ثمة اتساق او تناغم قد يربط مبادرة مروان البرغوثي مع مبادرة القيادي محمد دحلان التي أطلقها في أواخر الشهر الماضي، وانه لا يمكن قراءة مبادرة البرغوثي بمعزل عن السقف السياسي الذي أرسته مبادرة دحلان كوثيقة إصلاحية، عززتها مضامين مبادرة البرغوثي كمرحلة ثانية بالنظر إلى ما حملته كلتا المبادرتين، فمبادرة البرغوثي لا تتناغم فقط مع مبادرة دحلان، بل تُقرأ بوضوح في بنودها كاستكمال إجرائي مباشر لمبادرة دحلان التي شكلت إعلاناً سياسياً عريضاً يطالب بإنهاء حقبة الإقصاء، وإعادة صياغة النظام السياسي على أسس الشراكة والتعددية، لتجيئ مبادرة البرغوثي بعد أسابيع قليلة كغطاء شرعن ما حملته مبادرة دحلان مع ما يجمع المبادرتين من تقاطعات سياسية هدفها إنقاذ الحالة التنظيمية والوطنية الفلسطينية.
حضور القيادي دحلان في المشهد الفلسطيني ليس بالوسع وصفه بأنه "عودة" والرجل بدا حضوره اشبه بالمؤكد المتفق عليه، لما يملكه من مقومات استحصل عليها من واقع تجربته السياسية التي يمكن وصفها بأنها إرث مخضرم يستند اليه الرجل، وهو صاحب التاريخ الطويل داخل حركة فتح والسلطة الفلسطينية في اعقد مراحلها ، ما مكنه بالمحصلة من امتلاك الاحاطة والمعرفة العميقة بأدوات ادارة صناعة القرار، ولما يملكه بطبيعة الحال من تلك المقومات من شبكة علاقات داخل القاعدة التنظيمية للتيارات والتنظيمات والفصائل الفلسطينية اضافة الى مقومات لا يمكن المرور عنها او اغفالها والمتعلقة بتجربته اللاحقة في الحضور الإقليمي بعد خروجه من الضفة وغزة، ونجاحه في تأسيس "التيار الإصلاحي الديمقراطي"والذي وضع دحلان بموضع اللاعب الإقليمي وليس ادق على ذلك ما شكلته علاقاته الوثيقة مع قوى إقليمية ودولية مؤثرة من توفير ما يمكن توفيره من دعم للاشقاء في غزة تحت واقع الحرب المعزز بالترسانة الصهيونية والغربية، وما نجح فيه من توفير مشاريع إنسانية وإغاثية مستمرة ، مما اسهم في تقديم دحلان امام الشارع الفلسطيني والشارع الاقليمي والدولي كبديل يمتلك حلولاً وعلاقات قادرة على جذب الدعم الخارجي للقضية وشعبها ازاء تحديات عايشتها القضية على مدار ثمانية عقود ولا تزال، الأمر الذي نقرأ في مخرجاته انها مقومات ذللت وأطاحت بمخزون قانوني وسياسي "بائس" داخل الهيكل الرسمي الحالي للسلطة، إضافة إلى ما ساهمت به تلك المقومات من اضعاف معارضيه من التيارات المنافسة، وما قد نخلص اليه في قراءتنا من ان مخرجات تلك المقومات ستدفع باتجاه حالة اجماع فلسطينية وتوافقات إقليمية ودولية عنوانها دحلان الرئيس الفلسطيني القادم..
وللحديث بقية ..
