هذه رسالةٌ لمن لا يعرفني؛
أما من عرفني عن قرب، فلا يحتاج إلى مثل هذه الكلمات، لأنه يعرفني كما أنا، ويعرف أن ما أكتبه هنا ليس ادعاءً ولا بحثًا عن شهادة، وإنما هو وصفٌ لمسيرةٍ طويلة، تركت الأيام والتجارب فيها أثرها، وشهدت المواقف على حقيقتها.
أنا إنسانٌ أؤمن بالصدق، وأعيش على المبدأ، ولا أجيد التلوّن ولا تبديل المواقف تبعًا للظروف أو المصالح. فما أؤمن به اليوم هو ما أؤمن به غدًا، وما أقولُه أحرص على أن أكون قادرًا على تحمّل مسؤوليته، مهما كانت تبعاته.
العهد عندي ليس كلمةً عابرة، والوعد ليس مجاملةً تُقال ثم تُنسى؛ إنما هو التزامٌ أخلاقي، ورباطٌ بين الإنسان وضميره قبل أن يكون بينه وبين الآخرين. ولذلك لم أساوم يومًا على عهدٍ قطعته، ولم أتنصل من كلمةٍ خرجت مني، حتى عندما كان الوفاء بها يحمّلني ما لا أطيق.
ولمن قطعتُ لهم عهدًا، أقول: اطمئنوا، فلستُ ممن تتبدل مواقفهم بتبدّل الظروف، ولا ممن يخونون وعدًا أو عهدًا قطعوه على أنفسهم.
ومن وعدتهم أن أحفظ لهم سرًا، فسأحفظه، ومن ائتمنني على أمر، فسأبقى أمينًا عليه؛ لا أفشي سرًا، ولا أخون ثقة، ولا أنقض عهدًا.
أنا لا أخون العيش والملح، ولا أخون من جمعني به ودٌّ صادق، واحترامٌ متبادل، ومواقفٌ مشتركة، وزادٌ تقاسمناه يومًا. فكيف أخون من كانت بيني وبينه ثقةٌ وصدقٌ واحترام؟
وحتى إن نقض من عاهدوني عهدهم، أو تراجعوا عن وعودهم، فلن يكون نقضهم سببًا لأن أنقض عهدي.
أنا مسؤولٌ عما قطعته على نفسي، لا عما التزم به الآخرون. قد تتغير العلاقات، وقد تتباعد الطرق، وقد تنتهي صلاتٌ جمعتنا يومًا، لكن ذلك لا يغيّر مبدئي ولا يسقط عني التزامي.
سأبقى كما عاهدت نفسي وكما عرفني من وثق بي: أمينًا صادقًا، حافظًا للسر، وفيًّا للعهد، لا أفشي ما اؤتمنت عليه، ولا أنقض وعدًا قطعته، حتى وإن نقضه من عاهدوني.
فالعهد عندي لا يصبح أقل قداسة لأن الطرف الآخر لم يحفظه؛ بل يبقى عهدًا لأنني أنا من قطعته، وأنا من أتحمل مسؤوليته.
وإن أخطأت، فالخطأ عندي ليس عيبًا ما دام الإنسان يملك شجاعة الاعتراف به.
فإذا خرجت مني كلمةٌ أساءت إلى أحد، أو صدر مني موقفٌ لم يكن في موضعه، فلا أبحث عن الأعذار، ولا أحمّل المسؤولية للظروف، ولا أختبئ خلف عبارة «لم أقصد».
أعترف بخطئي، وأعتذر عنه بوضوح، لأن الاعتذار الصادق ليس انتقاصًا من كرامة الإنسان، بل دليلٌ على احترامه لنفسه ولمن أخطأ بحقه.
وقد أختلف مع إنسان، وقد تنتهي علاقةٌ أو تتراجع ثقة، وقد أكتشف أن النوايا لم تكن كما ظننت، لكن ذلك كله لا يبرر لي أن أتخلى عن عهدٍ قطعته على نفسي. فإذا وعدتُ، أو التزمتُ، بقي التزامي قائمًا من جهتي، حتى لو لم يلتزم الطرف الآخر بما وعد به.
أما العلاقات، فلكل علاقةٍ حدودها، ولكل ثقةٍ ميزانها. وليس عيبًا أن يبتعد الإنسان عمّن خابت فيه ثقته، أو أن ينهي علاقةً لم تعد تقوم على الاحترام المتبادل؛ لكن العيب، في نظري، أن يتحول الخلاف إلى إساءة، وأن يتحول انكسار الثقة إلى خيانة للعهد، أو أن يدفعنا اختلافنا مع الآخرين إلى التخلي عن أخلاقنا.
وعلى امتداد مسيرتي في العمل السياسي والحزبي والتطوعي والاجتماعي، والتي تمتد لما يقارب نصف قرن، حرصت على أن أكون دبلوماسيًا في طرحي، واضحًا في موقفي، وحازمًا عندما يتعلق الأمر بمبدأ أؤمن به.
لم أتعلم أن أقول ما لا أؤمن به، ولم أعتد أن أغيّر موقفي لإرضاء شخص أو جهة، ولم تغرني المناصب ولا الألقاب، كما لم تستهوِني عبارات المدح والتملق. وما كنت يومًا من الباحثين عن طريقٍ مختصر إلى موقعٍ أو نفوذ، ولا ممن يصعدون على أكتاف الآخرين للوصول إلى غاياتهم.
أؤمن أن الوطن أكبر من الأشخاص، وأن احترام مؤسساته وكرامة أبنائه وحقوق مكوّناته يجب أن تبقى فوق الحسابات الشخصية والمصالح الضيقة. ولذلك بقي انتمائي لوطني ومليكي ثابتًا، وبقيت قناعتي بأن الاختلاف في الرأي لا يفسد الانتماء، وأن المعارضة إن كانت بناءة، والموالاة إن كانت ناقدة، يمكن أن تلتقيا في خدمة الوطن وحمايته.
وبعد كل هذه السنوات، لا أزال أرى نفسي تلميذًا في مدرسة الحياة. فما السياسة وحدها تعلّم الإنسان، ولا العمر وحده يصنع الحكمة؛ إنما التجارب، والناس، والمواقف، والنجاحات والإخفاقات، كلها دروسٌ لا تنتهي.
تعلمت أن الإنسان قد يخسر موقفًا، لكنه لا ينبغي أن يخسر نفسه. وقد يخسر مالًا أو منصبًا أو علاقة، لكنه إذا حافظ على كرامته وصدقه وأمانته، فإنه لم يخسر كل شيء.
وقدوتي في الصدق والثبات والوفاء رسول الله ﷺ، ومن صبر أيوب عليه السلام أستلهم الصبر على الشدائد، ومن ثبات أبي بكر الصديق رضي الله عنه على الحق أستلهم قوة الموقف والوفاء بالعهد. وليست القدوة عندي كلماتٍ تُقال، وإنما منهجٌ أحاول أن أقترب منه في سلوكي ومواقفي بقدر ما أستطيع.
ولمن يقرأ هذه الكلمات أقول:
إن الصدق ليس حديثًا جميلًا نتحدث به عن أنفسنا، وإنما سلوكٌ يراه الآخرون في مواقفنا. والوفاء ليس شعارًا نرفعه، وإنما عهدٌ نحفظه عندما تصبح المحافظة عليه مكلفة. والأمانة ليست كلمةً نرددها، وإنما مسؤوليةٌ نحملها حتى عندما لا يراقبنا أحد.
هذه هي صورتي التي أريد أن أبقى عليها:
صدقٌ بلا ادعاء، ووفاءٌ بلا مقابل، ومبدأٌ لا يتبدل، وصبرٌ على الشدائد، وكرامةٌ لا تُشترى.
لن تغيّرني المواقع ، مهما علت، ولن يغريني المال، مهما كثر، ولن يجعلني الجاه أو النفوذ أتنكر لما أؤمن به.
لا أطمح إلى منصبٍ من أجل المنصب، ولا أسعى إلى موقعٍ لأثبت من خلاله ذاتي؛ فما يهمني في نهاية المطاف أن أبقى كما عرفت نفسي وكما عرفني من عاشرني:
صادقًا، أمينًا، وفيًّا، مستور الحال، راضيًا بما قسم الله لي، قانعًا برزقي، حامدًا له على الصحة والعافية، ومطمئنًا إلى أن قيمة الإنسان ليست فيما يملك من مالٍ أو جاه، وإنما فيما يتركه من أثرٍ طيب وسيرةٍ حسنة.
فالكرامة يرثها الإنسان بالفطرة اما الاهانه يصنعها الإنسان لنفسه
وأرجو من الله أن يديم عليّ نعمه، وأن يرزقني رضاه، وأن يمنحني العمر في الخير، والصحة والعافية، والستر، وحسن الخاتمة.
وفي النهاية، ما هذه الكلمات إلا تعبيرٌ صادق عن مبدأٍ أعيش عليه؛ لا فخرًا ولا ترفّعًا، ولا ادعاءً للكمال، وإنما توثيقٌ لشخصيةٍ اختبرها الزمان، وعلمتها التجارب، وبقيت متمسكةً بما تؤمن به.
قد يتغير الزمان، وتتبدل الوجوه، وتتغير الظروف، لكنني أحرص أن أبقى كما أنا: لا أتلوّن، ولا أبيع موقفي، ولا أخون عهدًا قطعته على نفسي.
فهذا هو أنا…
وهذه هي قناعتي، وهذا هو العهد الذي قطعته على نفسي
عوني الرجوب
عمان - الثلاثاء الموافق 2026/8/15
