يعيش القطاع الصناعي في الضفة الغربية حالة من الانكماش الحاد نتيجة القيود المشددة التي تفرضها الحواجز العسكرية على حركة البضائع والأفراد. وتبرز معاناة المصانع، مثل مصنع الكامل للألبان جنوب شرق نابلس، كنموذج حي للواقع الاقتصادي المأزوم، حيث تحولت الطرق الرابطة بين المدن إلى ساحات انتظار طويلة تسببت في إتلاف كميات ضخمة من المنتجات الحساسة وتكبد أصحاب الأعمال خسائر مالية فادحة.

واضاف بسام دويكات، صاحب المصنع، أن المدينة باتت محاصرة بالكامل ببوابات حديدية ونقاط تفتيش تعيق وصول شاحنات التوزيع إلى الأسواق المحلية. وبين أن تكاليف النقل ارتفعت بشكل جنوني، مما اضطر المنشآت إلى تقليص عدد العمال والاستغناء عن عملاء في محافظات أخرى لتجنب المزيد من الخسائر التي لا طاقة لهم بها.

وشدد دويكات على أن الأزمة لا تقتصر على النقل فحسب، بل تمتد لتشمل صعوبة توفير المواد الخام، حيث يقضي السائقون ساعات طويلة تحت أشعة الشمس في انتظار السماح لهم بالمرور. واكد أن حجم التسويق انخفض بنسبة تصل إلى 40%، مما دفع العديد من المصانع الوطنية إلى حافة الانهيار في ظل غياب أي أفق للحل.

تداعيات الحواجز على حركة التجارة

وكشفت جولة في أسواق نابلس عن حالة من الركود غير المسبوق، حيث يصف التجار الوضع بأن المدينة تبدو كمدينة أشباح في ظل غياب المتسوقين من القرى والأرياف. وأوضح منصور عليوي، تاجر بهارات، أن إغلاق المعابر ومنع دخول فلسطينيي الداخل إلى مدن الضفة أدى إلى انقطاع السيولة وتراجع الطلب بشكل حاد.

واظهرت دراسات لمعهد ماس أن حركة النقل في الضفة تراجعت بأكثر من 51%، مع تسجيل أوقات انتظار تصل إلى 50 دقيقة عند الحاجز الواحد. واضافت البيانات أن الاقتصاد الفلسطيني يخسر ملايين الشواكل شهريا نتيجة ساعات العمل الضائعة واستهلاك الوقود الإضافي في الطرق البديلة والوعرة.

وبينت التحليلات الاقتصادية أن القيود الإسرائيلية تسببت في تلف المنتجات الزراعية والغذائية، مما فاقم من أزمة البطالة التي بلغت مستويات قياسية. واكد خبراء أن هذه السياسات الممنهجة تستهدف ضرب البنية التحتية الاقتصادية ومنع أي فرصة لتطور القطاعات الإنتاجية المحلية.

معدلات البطالة والواقع الاقتصادي

واشار المختص بالشؤون الاقتصادية جعفر صدقة إلى أن الحواجز العسكرية خلقت فصلا قسريا بين المدن والقرى، مما أدى إلى إفلاس العديد من الشركات وتوقفها عن العمل. وأضاف أن الناتج المحلي الإجمالي شهد انكماشا حادا خلال العام الجاري، وسط ارتفاع معدلات البطالة في الضفة الغربية إلى نسب مقلقة تجاوزت 28%.

وكشفت معطيات وزارة الاقتصاد أن نظام السيطرة والتحكم الذي تفرضه سلطات الاحتلال يمتد ليشمل كافة تفاصيل الحياة اليومية، بما في ذلك حركة الأفراد وتدفقات النقد. وبين صدقة أن الخسائر لا تقتصر على الأرقام المباشرة، بل تشمل ضياع الفرص الاستثمارية ومنع تكامل الاقتصاد الفلسطيني مع المحيط الإقليمي.

واكدت تقارير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن عدد الحواجز والبوابات العسكرية في الضفة الغربية وصل إلى 925 حاجزا، وهو ما يحول المدن إلى جزر معزولة يصعب التواصل بينها. واختتمت التقارير بأن هذه الإجراءات تجعل من المستحيل بناء اقتصاد وطني قادر على الصمود في ظل استمرار سياسة التضييق والتقطيع الجغرافي.