حين لا تعود القراءة والكتابة وحدهما كافيتين،،
بقلم المحامية هنزاد التل،،،،
في اليوم العالمي لمحو الأمية، الذي يصادف الثامن من أيلول من كل عام، نتوقف أمام رقم أردني يستحق التقدير؛ فقد انخفض معدل الأمية في المملكة إلى 4.5% عام 2025، مقارنة بـ11% عام 2000، وفق أحدث بيانات دائرة الإحصاءات العامة. وهذا الانخفاض يعكس سنوات من الجهود في مجال التعليم ومكافحة الأمية، ويؤكد أن الأردن قطع شوطًا مهمًا في هذا المجال.
لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه اليوم هو: هل انتهت الأمية فعلًا، أم أنها أخذت أشكالًا جديدة؟ في الماضي كان مفهوم الأمية واضحًا، ويتمثل في عدم القدرة على القراءة والكتابة، أما اليوم فقد تغير العالم وتغيرت معه طبيعة المعرفة. فنحن نعيش في عصر الهاتف الذكي والذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية وتدفق المعلومات، وأصبح الإنسان بحاجة إلى أكثر من مجرد القدرة على قراءة الكلمات؛ أصبح بحاجة إلى أن يفهم ما يقرأ، ويميز الحقيقة من التضليل، ويتحقق من مصادر المعلومات، ويحمي بياناته وخصوصيته.
ولهذا لم يعد الحديث عالميًا يقتصر على محو الأمية التقليدية، بل امتد إلى الأمية الرقمية والإعلامية والقانونية. فالشخص الذي يستطيع القراءة والكتابة لكنه لا يعرف كيف يحمي نفسه من الاحتيال الإلكتروني، أو يميز الحسابات الوهمية، أو يتحقق من خبر قبل نشره، أو يحافظ على بياناته الشخصية، يواجه شكلًا جديدًا من الجهل في عالم أصبحت التكنولوجيا جزءًا أساسيًا من تفاصيل الحياة اليومية.
وتقدم لنا بعض الدول تجارب تستحق التأمل. ففي إستونيا، لم تُعامل المهارات الرقمية باعتبارها ترفًا، وإنما أصبحت جزءًا أساسيًا من العملية التعليمية، مع الاستثمار في التكنولوجيا وتدريب المعلمين. وفي فنلندا توسع مفهوم القرائية ليشمل التعامل مع أنواع متعددة من النصوص والمعلومات والمهارات الرقمية، بينما تبنت سنغافورة مفهوم التعلم المستمر وتطوير المهارات الرقمية للبالغين بما يتناسب مع متطلبات الاقتصاد وسوق العمل. هذه التجارب تؤكد أن محو الأمية ليس محطة يصل إليها الإنسان ثم يتوقف، بل هو مسار مستمر يتطور مع تطور المجتمع.
ومن وجهة نظري، فإن الأردن بعد أن حقق تقدمًا ملموسًا في خفض الأمية التقليدية، أمامه فرصة للانتقال إلى مرحلة أكثر شمولًا، تقوم على بناء إنسان قادر على التعامل مع عالم المعرفة بثقة ووعي. نحتاج إلى محو الأمية الرقمية حتى لا يكون الإنسان فريسة للاحتيال والابتزاز، وإلى محو الأمية الإعلامية حتى يستطيع التمييز بين الخبر الصحيح والمعلومة المضللة، وإلى نشر الثقافة القانونية حتى يعرف الإنسان حقوقه وواجباته قبل أن يقع في المشكلة، وليس بعد وقوعها.
وهنا أرى أن الثقافة القانونية يجب أن تكون جزءًا من مفهوم التعليم الحديث. فكم من إنسان يجيد القراءة والكتابة، لكنه يجهل أبسط حقوقه؟ وكم من شخص يوقع على عقد دون أن يفهم مضمونه، أو يتعرض لمشكلة ولا يعرف الجهة التي يلجأ إليها؟ إن معرفة الحقوق والواجبات ليست حكرًا على المتخصصين في القانون، وإنما هي ضرورة لكل فرد في المجتمع.
إن وصول الأردن إلى نسبة 4.5% من الأمية إنجاز نفتخر به، لكنه يجب ألا يكون نهاية الطريق. فالمرحلة المقبلة يجب أن تنقلنا من محو الأمية إلى صناعة المعرفة، ومن القدرة على القراءة إلى القدرة على الفهم والتحليل، ومن استهلاك المعلومات إلى القدرة على التحقق منها، ومن معرفة الحقوق على الورق إلى القدرة على حمايتها.
فالمجتمع المتعلم ليس فقط المجتمع الذي يعرف أفراده القراءة والكتابة، بل المجتمع الذي يفكر، ويسأل، ويتحقق، ويعرف حقوقه، ويحترم حقوق الآخرين، ويستطيع أن يحمي نفسه في عالم يتغير كل يوم.
التعليم حق، والمعرفة قوة، والوعي هو خط الدفاع الأول عن الإنسان.
