في الوقت الذي تتحدث فيه الدولة الأردنية عن جذب الاستثمار، وتحسين بيئة الأعمال، واستقطاب رؤوس الأموال، وتقديم الحوافز والتسهيلات للمستثمرين، علينا أن نتوقف قليلاً أمام سؤال لا يبدو هامشياً: ماذا نفعل بالاستثمار الموجود أصلاً داخل السوق المالي الأردني؟ وهل نجحنا فعلاً في بناء سوق رأس مال يشجع الاستثمار الحقيقي، أم أننا تركنا الباب مفتوحاً أمام ثقافة المضاربة السريعة التي تختصر الاستثمار كله بقرش فوق وقرش تحت؟
هنا يظهر نموذج أطلقت عليه اسم «أبو قرش»، وليس المقصود شخصاً بعينه، وإنما عقلية استثمارية أصبحت ترى في السوق فرصة لالتقاط فروقات سعرية محدودة، فيشتري السهم على قرش ويبيعه على قرش آخر، ثم يخرج من السوق وكأن مهمته انتهت، دون أن يعنيه كثيراً أداء الشركة أو نتائجها أو خططها أو قدرتها على النمو أو حتى مستقبل القطاع الذي تعمل فيه. وحتى نكون منصفين، فإن المضاربة ليست عيباً بحد ذاتها، وهي جزء طبيعي من أي سوق مالي، ولا يمكن ولا يجب منع المستثمر من البيع والشراء وتحقيق الأرباح من تحركات الأسعار، لكن المشكلة عندما تتحول المضاربة من نشاط موجود داخل السوق إلى ثقافة تسيطر على السوق، وعندما يصبح الاستثمار مجرد مطاردة لفروقات صغيرة في الأسعار بدلاً من أن يكون توجيهاً للسيولة نحو شركات منتجة وقادرة على النمو. وهنا تحديداً يجب أن نتوقف، لأن بورصة عمان ليست شاشة أرقام تتحرك صعوداً وهبوطاً، وليست كازينو مالياً يتنافس فيه المتداولون على اقتناص قرش أو قرشين، بل هي سوق يفترض أن تؤدي وظيفة اقتصادية حقيقية، وأن تكون قناة لتجميع المدخرات وتوجيهها نحو الشركات والاستثمارات وتعزيز القيمة الحقيقية لسوق عمان المالي لا سيما بعد أن تم ربطه ببورصة ابو ظبي، وأن تمنح الشركات المساهمة العامة القدرة على الوصول إلى رأس المال وتوسيع أعمالها وخلق فرص العمل والمساهمة في الناتج الوطني. فإذا تحول الجزء الأكبر من النشاط إلى عمليات دخول وخروج سريعة لا تستند إلى قراءة حقيقية لأداء الشركات، فإننا أمام مشكلة تتجاوز المستثمر المضارب نفسه إلى طبيعة السوق ومدى قدرته على أداء دوره الاقتصادي. والأغرب أن الدولة تنفق جهداً كبيراً في الحديث عن استقطاب المستثمر الأجنبي، وتقدم له التسهيلات والحوافز، وتضع برامج مرتبطة بالاستثمار والإقامة ومنح الجنسية وغيرها بهدف جذب رؤوس أموال مستقرة، وبعض هذه البرامج ترتبط باستثمارات في الأسهم وفق شروط وفترات احتفاظ محددة، لأن الهدف المفترض هو استثمار يبقى في الاقتصاد ويستفيد منه، لا أموال تدخل اليوم وتخرج غداً. وهنا يصبح السؤال مشروعاً:
إذا كنا نريد من المستثمر الخارجي أن يدخل السوق الأردني بعقلية طويلة الأجل، فلماذا لا نعمل بالقدر نفسه على بناء بيئة تجعل المستثمر الأردني نفسه أكثر ميلاً إلى الاستثمار طويل الأجل؟ لماذا لا تكون هناك سياسات وحوافز تجعل الاحتفاظ بالأسهم والاستثمار في الشركات الأردنية خياراً أكثر جاذبية من المضاربة اليومية؟ ولماذا لا نعيد النظر في بعض الأدوات التنظيمية التي يمكن أن تحد من المضاربات المبالغ فيها من دون أن تتحول إلى قيود تخنق السوق أو تمنع التداول؟ نحن لا نتحدث عن إغلاق السوق أمام المضاربين، ولا عن مصادرة حق المستثمر في البيع والشراء، فهذا غير منطقي ولا يتفق مع طبيعة الأسواق المالية، وإنما نتحدث عن إعادة ترتيب الأولويات وبناء قواعد تجعل الاستثمار الحقيقي أكثر جاذبية، وتمنع في الوقت نفسه أن تتحول السيولة إلى مجرد حركة يومية لا تضيف قيمة حقيقية للاقتصاد. يمكن دراسة حوافز للمستثمر الذي يحتفظ بأسهمه لفترات أطول، ويمكن تطوير آليات رقابية أكثر دقة على التداولات غير الطبيعية، ويمكن تعزيز الإفصاح والشفافية، ويمكن التعامل بحزم مع أي تداولات تستند إلى معلومات غير معلنة أو إشاعات أو ممارسات تؤثر على الأسعار بصورة مصطنعة، والأهم أن يكون القانون واضحاً ويطبق على الجميع دون استثناء، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي سوق مالي ليس انخفاض سهم أو ارتفاعه، وإنما فقدان المستثمر ثقته بأن السوق عادل وأن قواعد اللعبة واحدة على الجميع. ولا يجوز في المقابل أن نجعل «أبو قرش» شماعة نعلق عليها كل مشاكل بورصة عمان، لأن السوق لا يضعف بسبب المضارب وحده. السوق يحتاج إلى شركات قوية، وإفصاحات واضحة، ونتائج مالية مقنعة، وتوزيعات مجدية، وسيولة كافية، وإدارة رشيدة، وحوكمة حقيقية، وثقة لدى المستثمر بأن شراء السهم اليوم يمكن أن يكون استثماراً جيداً غداً وبعد عام وبعد خمسة أعوام. فإذا كانت الشركات المدرجة لا تقدم للمستثمر ما يجعله يرغب في الاحتفاظ بسهمه، فلا يمكن أن نطالبه بأن يصبح مستثمراً طويل الأجل بقرار أو بتعليمات. المستثمر لا يحتفظ بسهم لأنه تلقى محاضرة عن الاستثمار طويل الأجل؛ يحتفظ به عندما يرى شركة تحقق نتائج، وتملك إدارة كفؤة، وتعلن عن خطط واضحة، وتوزع أرباحاً عندما تكون قادرة على ذلك، وتملك فرصاً حقيقية للنمو. لذلك فإن مواجهة عقلية «أبو قرش» تبدأ من إصلاح السوق نفسه، وليس فقط من مراقبة المتداولين. نحن بحاجة إلى أن نسأل بصراحة: أي سوق نريد؟ هل نريد سوقاً تتحرك فيه الأسعار بفعل المضاربات اللحظية، أم سوقاً تكون فيه حركة السهم انعكاساً لثقة المستثمر ولأداء الشركة وقوتها ومركزها المالي وآفاقها المستقبلية؟ هل نريد مستثمراً يدخل لأسابيع بحثاً عن قرش أو قرشين، أم مستثمراً يرى نفسه شريكاً في شركة أردنية ويضع أمواله فيها لأنه يؤمن بمستقبلها؟ الفرق بين النموذجين ليس بسيطاً، لأن المستثمر طويل الأجل يضيف استقراراً للسوق ويمنح الشركات قاعدة مساهمين أكثر ثباتاً، بينما التداول المفرط قد يزيد الحركة لكنه لا يعني بالضرورة زيادة القيمة الاقتصادية. ولا بد أيضاً من التمييز بين المضاربة المشروعة وبين التلاعب بالسوق؛ فالأولى جزء من طبيعة التداول، أما الثانية فمسألة مختلفة تماماً وتستوجب رقابة صارمة وتطبيقاً فعلياً للقانون. لذلك فإن المطلوب ليس شيطنة المضاربين، وإنما بناء منظومة رقابية وتنظيمية قادرة على كشف التداولات غير الطبيعية، ومواجهة أي سلوك يهدف إلى التأثير المصطنع في الأسعار أو تضليل المستثمرين، مع حماية حق التداول المشروع. وفي النهاية، لا يمكن أن نتحدث عن اقتصاد يريد جذب الاستثمارات بينما نترك سوق الأوراق المالية يعاني من ضعف الثقة أو محدودية السيولة أو غياب الحوافز الكافية للاستثمار طويل الأجل. بورصة عمان يجب ألا تكون مجرد مكان لتسجيل أسعار الأسهم، بل يجب أن تكون إحدى أدوات الاقتصاد الوطني في تمويل الشركات وتوسيع الاستثمارات وتحريك المدخرات المحلية واستقطاب رؤوس الأموال. وإذا كانت الدولة تراهن على الاستثمار باعتباره محركاً للنمو الاقتصادي، فإن سوق الأوراق المالية يجب أن يكون في صلب هذه المعادلة، لا أن يبقى بعيداً عنها. المطلوب اليوم ليس حرباً على «أبو قرش»، ولا منع المضارب من أن يربح قرشاً أو قرشين، وإنما معالجة البيئة التي تجعل القرش السريع أكثر إغراءً من الاستثمار طويل الأجل. نريد سوقاً يستطيع فيه المضارب أن يتداول ضمن القانون، ويستطيع فيه المستثمر أن يضع أمواله لسنوات وهو مطمئن، وتستطيع فيه الشركات أن تحصل على التمويل وتكبر وتوسع أعمالها، ويشعر فيه المواطن أن سوق المال ليس لعبة بين مجموعة من المتداولين، وإنما مؤسسة اقتصادية لها دور في بناء الاقتصاد الوطني. فالاقتصاد الأردني لا يحتاج إلى مزيد من الأموال التي تدخل السوق لتبحث عن قرش وتخرج عند أول فرصة، بل يحتاج إلى أموال تستثمر في الشركات، وتمول التوسع، وتدعم الإنتاج، وتخلق فرص العمل، وتبني قيمة حقيقية. لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست مع «أبو قرش» كشخص، وإنما مع عقلية تجعل الاستثمار مجرد صفقة سريعة، ومع سوق لا يمنح الاستثمار طويل الأجل ما يكفي من الجاذبية والثقة. وإذا كنا جادين في تطوير بورصة عمان وتعزيز دورها في الاقتصاد الوطني، فقد حان الوقت لمراجعة التشريعات والتعليمات والحوافز وآليات الرقابة والإفصاح، ووضع معايير أكثر وضوحاً تشجع الاستثمار المستقر وتحاصر التلاعب والممارسات الضارة، لأن السوق القوي لا يقاس بعدد الصفقات التي تجري فيه، ولا بعدد الأسهم التي تنتقل من يد إلى أخرى، وإنما بقدرته على جذب رأس المال، وتمويل الشركات، وحماية المستثمر، وبناء الثقة، وتحويل الأموال من مجرد حركة على شاشة التداول إلى استثمار حقيقي يصنع قيمة داخل الاقتصاد الوطني. وباختصار، لا نريد بورصة بلا مضاربين، فهذا غير واقعي، لكننا بالتأكيد لا نريد بورصة يصبح فيها «أبو قرش» هو النموذج الأبرز للاستثمار، لأن الاقتصاد الذي يطمح إلى النمو لا يمكن أن يبني مستقبله على قرش هنا وقرش هناك، وإنما على رأس مال مستقر، وشركات قوية، ومستثمر واعٍ، وسوق عادل، وتشريعات توازن بين حرية التداول وحماية السوق، وفي النهاية اقتصاد يستفيد من كل دينار يدخل إليه بدلاً من أن يكتفي بمراقبته وهو يدخل ويخرج.
مصطفى ياغي يكتب .. مستثمر «أبو قرش» وانعكاساته على الاقتصاد الوطني
