لم يكن حلم الطالبة ليانا الشعار أكبر من وطنها، ولم تطمح إلى أكثر من أن تقدم فكرة قد تسهم في تطوير الخدمات العدلية والإصلاحية في الأردن، استجابةً للرؤية الملكية التي يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني، وبدعم سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، في ترسيخ ثقافة الابتكار وتمكين الشباب والإيمان بقدراتهم.

أشهر طويلة قضتها ليانا، وهي طالبة في الصف السابع الأساسي في مدارس المعارف، في إعداد مشروع رقمي متكامل حمل اسم "سجل عدالة"، ليكون منصة تسهم في تطوير الخدمات المقدمة للنزلاء وذويهم والمحامين، وبما ينسجم مع توجه الدولة نحو التحول الرقمي وتحديث الإدارة العامة.

ولأن الأفكار المخلصة تستحق أن تجد من يصغي إليها، رُفع المشروع إلى معالي وزير العدل، الذي تعامل معه بمسؤولية وطنية تُشكر، وأبدى اهتمامًا واضحًا بالمبادرة، ووجّه بمخاطبة الجهات المختصة لدراسة المشروع، في خطوة تؤكد أن أبواب الدولة يجب أن تبقى مفتوحة أمام كل فكرة بناءة.

وبناءً على ذلك، حضرت ليانا اجتماعًا رسميًا في إدارة مراكز الإصلاح والتأهيل التابعة لمديرية الأمن العام، وقدمت مشروعها كاملًا، وشرحت تفاصيله ومحاوره أمام المختصين، وغادرت وهي تحمل يقينًا بأن وطنها سيحترم جهدها، مهما كانت نتيجة دراسة المشروع.

لكن الأيام مضت…

ولم يصلها أي رد رسمي.

ولم تتلقَّ كتابًا يوضح مصير مشروعها.

ولم تُبلَّغ إن كانت الفكرة قد اعتُمدت أو طُوِّرت أو رُفضت.

ثم فوجئت لاحقًا بإعلانات رسمية عن إطلاق خدمات إلكترونية داخل مراكز الإصلاح والتأهيل، تتقاطع في مضمونها مع محاور مشروعها الذي سبق أن قدمته، دون أن تعلم ماذا انتهت إليه دراسة فكرتها، ودون أن تتلقى حتى كلمة توضح لها ما جرى.

إن القضية هنا ليست في إطلاق الخدمات الإلكترونية، فكل خطوة تطويرية تصب في خدمة الوطن تستحق الدعم والإشادة.

لكن القضية الحقيقية تكمن في احترام المبادرات الوطنية، وصون الحقوق الأدبية لأصحابها، والالتزام بمبادئ الإدارة الرشيدة التي تقتضي إبلاغ صاحب المبادرة بنتيجة ما قدم، أياً كانت تلك النتيجة.

فمن حق صاحب الفكرة أن يعرف.

ومن حق الطفل الذي اجتهد وأبدع أن يشعر بأن مؤسسات وطنه تحترم جهده.

فلا يجوز أن ينتهي حلم طفل أردني بالصمت.

ولا يجوز أن يتحول الإبداع إلى سبب للإحباط.

إن الدولة التي جعلت من الابتكار وتمكين الشباب عنوانًا لمسيرتها، لا يمكن أن تقبل بأن يغادر صاحب فكرة وطنية أبواب مؤسساتها وهو لا يعلم ماذا كان مصير أشهر من العمل والاجتهاد.

ونحن هنا لا نشكك في مؤسساتنا الوطنية، ولا في مديرية الأمن العام، التي نعتز بها ونفخر بما حققته من إنجازات كبيرة في مختلف المجالات، لكن المؤسسات القوية لا تزداد قوة إلا عندما ترسخ ثقافة التواصل والشفافية، وتحفظ الحقوق الأدبية لكل من يطرق أبوابها بفكرة أو مبادرة.

فليانا اليوم ليست مجرد اسم.

إنها تمثل آلاف الطلبة الأردنيين الذين يؤمنون بأن الإبداع يجد في وطنهم من يحتضنه.

فإذا فقد الطفل ثقته بأن فكرته ستُحترم، فمن سيحمل راية الابتكار في المستقبل؟

إن حماية الإبداع ليست ترفًا، وليست منّة من أحد، بل هي واجب وطني وأخلاقي وقانوني، لأنها تصنع الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته، وتحول الأحلام الصغيرة إلى إنجازات وطنية تصنع المستقبل.

وللحديث بقية…