سليم النجار ٠٠ 
يسمح الماضي بتلصُص مزدوج، من الداخل إلى الخارج ويأتي بأشكال مختلفة، وفقًا لمالكيها ومتلصصيها، واسعة تطل على رواية " خَيط البَارود" للكاتب زياد محافظة الصادرة عن دار فضاءات للنشر والتوزيع- عمان-٢٠٢٦ ٠ 
الماضي كغيره من أجزاء المكان، له معان مختلفة حسب الرواية، ورؤية كاتبها، ومنها الأكتشاف، والهرب، والتواصل، والتسلل، والأنتظار، والتأمل، والرؤية الحادة، الماضي حاجز وسبيل عبور في نفس الوقت؛ الماضي يلفظ أو يبتلع، مثله مثل ثقوب الإنسان٠ 
هناك الكثير من الداخلين والخارجين من الماضي، هربا، أو خلاصًا أو لنيئة سيئة٠
وما ينجم عن هذا الماضي تفكيك الصورة الموضوعية له، وإحلال المحكي الشخصي، على النسق السير الذاتي محل هذا الماضي، وإن بقي الأمر يظهر أنه يتعلق بمحكي آخر وبأشخاص آخرين،" لم يكن يتوقع أن تتوطد علاقته بفخامة الرئيس رشيدي مامادو الحكيم بمثل هذه الصورة، عندما التقاه أول مرة في حفل استقبال اصحاب الفخامة المخلوعين ص١٨"٠ 
إن الأنتقال إلى نص التحول المحوري رواية زياد محافظة " الماضي" وهو يمثل انقطاعاً واضحاً عن ما سبقه، خاصة في الفضاء الذي تجري فيه، وتخويل الفرد حق تقرير مصيره، ضد الأهواء العابرة والموضوعات الاجتماعية، وما يمثل شخصية الماضي أي كانت الأسماء، لأن الأسماء هنا هامشية فالحدث هو الذي يمثل السارد الحقيقي،" كان فخامة الرئيس فؤاد الأيوبي ينظر لصديقه بدهشة لا يخفيها، كأن في داخله سؤالاً لا يجد له جواباً صريحاً: كيف ينهض هذا الرجل كلَّ مرة؟ ص٢٧-٢٨"٠ 
ومن نحو آخر يعزز " الحكيم" فكرة معضلة التذكر، وإمكانية استعادة ما يكون قد حدث، كما هو الشأن في ما يمكن تسميته التحليل النفسي ب( التربية على النسيان)، الحقيقي لا االشكلي، الذي يبدو الزمن معه قد التوقف،" في كلّ مرة يغادر فيها الرئيس رشيدي مامادوا الحكيم قصر صديقه بعد قضاء أمسية لطيفة، يجلس الرئيس الأيوبي ويشرد عميقاً، يعاود تحت وتشكيل ماضيه بصورة خفية ص٤٥"٠ 
أننا نجد أنفسنا أمام نص صعباً، لا يسلس أسلوبه ومعانيه بسهولة، فيما يظهر بسيطاً، ميسَّر أو مشوقاً٠ وقد تقلب زمناً بينأيدينا، تدوالنا بالقراءة والتأمل مرات، ونكتشف مؤلف النص قريب أو بعيد، إنه سرد مستغلق، أو نص يمكن فركه، مكتفي بالإشارة، باللحمة، بالومضة، بالاحالة العابرة على ما ينبغي لجمهرة القراء القول بأن قراءة " خَيطُ البَارُود " لايمكن أن تكون القراءة عرضية، ويطرح الكاتب طوال روايته هل تكتب من فراغ؟ أم أننا أمام فراغ هائل بدون أي فكرة، لكن نجد أنفسنا أمام نص يكتب الصمت على صعيد الشكل، والانعزال على صعيد الصورة، والمضمون على صعيد السرد٠
إن استعمال الشكل اللغة الواضح المباشرة المتداولة في الرّواية تلك اللغة التي تحرص على هدف محدَّد، هو تنمية الحدث و الشخصية معًا، دون اللجوء إلى تفخيم أو للجوء للغة شاعرية يجعل تلقيها ذاتياً، ودن وصف مفصَّل يجعل نسقها الزّمني بطيئاً، من ذلك قول السارد" كان يحمل في يده باقة من الورد المنسقة بعناية فائقة وفي الثانية عكّازه العاجيّ٠ حين تقدمت السيدة الأولى للسلام عليه، انحنى برقًة لها باقة الورود باحترام كبير ثم قبّل يدها ص١٠٣"٠ 
لجأ السّارد إلى تقديم النص ذي شكل حديث، بحيث بدت اللّغة في شكل التعبير الذي يؤدي إلى تعدد الدلالات في بنية النّصّ٠ ذلك أن " فؤاد الأيوبي" شكل قصصي، وكل شكلٍ يحكي للقارئ شيئاً ،" واصل فخامة الرئيس فؤاد الأيوبي حديثه وهو يرتجف ويلتف حوله، كاشفاً عن قصص وحكايا وتفاصيل وذكريات يسردها لأول مرة ولا يعلم حقيقتها غيره ص١٢٨"٠ 
هذا الحكي ينمو وإنّ كانت الحوادث فيه بسيطة ضعيفة وقد لبَّى الأستعمال اللّغوي الواضح الحاجة السردية القصصيّة في بعض الوحدات٠ والنص مبنيّ استناداً إلى وحدات ذات دلالات،" وقف وحيداً عند خطّ الرمادية، يسدّد الطلقات تباعاً بتركيز يثير الدهشة٠ لم تكن حركاته استعراضية أو فوضوية، كانت دقيقة ومقتصدة، كلّ رصاصة تُطلق بحساب ص١٩٩"٠
ومثل هذا الحكي يحتاج إلى لغة واضحة التي ترتقي بالدّدلات إلى مراتب تخييلية عليا من الإيحاء والتأثير،" - عن نفسي، أحببت هذا المكان كثيراً٠ لا احتاج شيئاً أكثر من هذا، هنا لا يطاردني شيء ٠٠ لا ضجيج يلحٌ، ولا ذاكرة تشدّني من الخلف ص٢٢٠"٠ وقد لبي هذا الأستعمال اللّغوي الواضح هذه الحاجة، فقدَّم صوراً تحيل إلى نفسها ولا تُصوِّر واقعاً معيَّناً ،" في مثل هذه الحالة النفسية والعصبية المضطربة، حين يفقد الإنسان إحساسه بأي مخرج وتنشد النفس النجاة، يعود الخيال للبحث عن خلاص حتى ولوكان وهماً أو أسطورة ص٢٥٢"٠ 
تحمل ذاكرة السارد أرشيفاً مرعباً من صور الصراعات وفي ذات الوقت البحث عن الحياة، " ثم رفع كأس عصير البرتقال إلى شفتيه واخذ رشفة كبيرة، كأنما يحتفي بطعم الحياة واللحظة الراهنة ص٢٧٧"٠ 
تحضر في رواية " خَيطُ البَارود " ثقافة الكاتب ودقة الملاحظة لديه، فضلاً عن المضامين المعرفية للحياة الإجتماعية، نلمس الحس الفني لدى الروائي، من خلال توظيفه الماضي المتعلق بالتاريخ الحيّ للشخصيات الروائية في الرواية، فكانت خُيطُ البَارُود ٠