كشف رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي عن تعرضه لمحاولة رشوة ضخمة بلغت 200 مليون دولار مقابل التستر على ملفات فساد داخل وزارة النفط. واكد الزيدي خلال لقاء مع نخبة من الاعلاميين ان وسيطا نقل له هذا العرض الفاضح من مسؤول بارز في الوزارة بهدف اغلاق ملفات تتعلق بصفقات مشبوهة. واوضح ان هذه الواقعة تعكس حجم التحديات التي تواجهها السلطة التنفيذية في ظل تفشي الفساد الذي طال اعلى مستويات القرار في مؤسسات الدولة.
واشار مراقبون الى ان هذه التصريحات تاتي في وقت تزايدت فيه عمليات الاعتقال التي طالت مسؤولين بوزارة النفط ومديرين في شركة مصافي الشمال. واضافت تقارير صحفية ان هذه الملاحقات شملت ايضا مقربين من حكومات سابقة مما يعزز فرضية وجود شبكات محمية تعمل خلف الستار. وبين الناشطون ان جرأة عرض الرشوة على رئيس السلطة التنفيذية تدلل على ان الفساد تحول الى سلوك مؤسسي اعتاد عليه المتورطون لسنوات طويلة.
وشدد خبراء سياسيون على ضرورة عدم الاكتفاء باعتقال المسؤولين المباشرين بل ملاحقة الوسطاء والجهات الحزبية التي توفر الغطاء لهذه الممارسات. واكد الكاتب فلاح المشعل ان الوسيط في قضايا الفساد شريك اساسي ولا يجوز استثناؤه من العقاب القانوني تحت اي مبرر. واوضحت ردود الفعل الشعبية على منصات التواصل الاجتماعي ان المواطن العراقي اصبح اكثر وعيا بضرورة كشف هذه المنظومات التي تستنزف المال العام.
خطوات حكومية نحو استرداد المال العام
وبين الزيدي في اطار تحركاته الاخيرة انه وجه بتشكيل المجلس السيادي الاعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام تحت رئاسته المباشرة. واضاف ان هذا المجلس يضم في عضويته رئيس ديوان الرقابة المالية ورئيس هيئة النزاهة والادعاء العام للبدء في تدقيق العقود الحكومية. واوضح ان الهدف من هذه الخطوة هو ايقاف هدر المال العام ومراجعة الجدوى الاقتصادية للمشاريع الكبرى.
واكد رئيس الوزراء ان العمل سيبدأ بتشكيل لجنة مركزية متخصصة تتولى فحص التعاقدات قبل توقيعها لضمان مطابقتها للقوانين النافذة. واضاف ان الاجراءات ستطال العقود المبرمة في فترات سابقة بهدف تحديد المقصرين ومحاسبتهم. وشدد على اهمية حماية الموارد الوطنية من خلال رقابة صارمة تمنع التلاعب وتضمن شفافية الانفاق الحكومي.
وكشفت التوجيهات الاخيرة عن نية الحكومة فتح ملفات العقود السابقة التي اثارت لغطا واسعا في الاوساط الشعبية والسياسية. وبين ان التدقيق سيشمل فحص جوانب التقصير التي ادت الى ضياع مبالغ طائلة من خزينة الدولة. واكدت السلطات ان نتائج عمل هذه اللجان سترفع الى القضاء لضمان اتخاذ الاجراءات القانونية العادلة.
شكوك قانونية ومخاوف من التكرار
واظهرت ردود الفعل البرلمانية تحفظا على تشكيل المجلس الجديد بدعوى افتقاره للسند الدستوري والقانوني. واوضح النائب محمد جاسم الخفاجي ان هيئات الرقابة مستقلة بطبيعتها وترتبط بالبرلمان وليس برئيس الوزراء. واضاف ان تداخل الصلاحيات قد يضعف دور هذه الهيئات في مراقبة اداء السلطة التنفيذية التي يرأسها الزيدي نفسه.
واشار الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي الى ان التاريخ العراقي شهد تشكيل العديد من المجالس واللجان المماثلة دون ان تحقق اختراقا حقيقيا في ملف الفساد. واضاف ان الفساد في العراق اصبح محميا بمنظومة متشابكة من المصالح الحزبية وسلطة السلاح. وبين ان التفاؤل بانتهاء هذه الحقبة يتطلب تغييرا جذريا في بنية الدولة وليس مجرد تشكيل لجان اضافية.
واكدت التجارب السابقة منذ عام 2007 وحتى اليوم ان اللجان العليا لم تنجح في انتشال العراق من صدارة الدول الاكثر فسادا عالميا. واضاف المراقبون ان الاعتماد على نفس المنظومة السياسية التي انتجت هذه الازمات يجعل من الصعب توقع نتائج مختلفة. وشدد الهاشمي على ضرورة التحلي بالواقعية في تقييم الخطوات الحكومية الحالية وانتظار نتائج ملموسة على ارض الواقع.
