تتجلى مأساة الاطفال الفلسطينيين بعد خروجهم من سجون الاحتلال كجرح غائر لا يندمل بمجرد نيل الحرية. فعندما تفتح ابواب الزنازين لا يجد هؤلاء الصغار طريقا ممهدا للعودة الى حياتهم السابقة بل يجدون انفسهم عالقين في دوامة من الخوف والاضطراب النفسي. وبينما يحاول البعض ترميم ما تبقى من بيوتهم المهدومة يجد اخرون في العمل اليدوي البسيط وسيلة للهروب من ذكريات التعذيب والقهر.
وكشفت شهادات حية لعدد من الاسرى القاصرين ان المعاناة الحقيقية تبدأ فعليا بعد مغادرة المعتقلات حيث تتحول الحرية الى تحد جديد يتطلب مواجهة اثار نفسية عميقة. واظهرت البيانات الصادرة عن مؤسسات الاسرى ان الاحتلال يحتجز المئات من الاطفال في ظروف قاسية وسط تصاعد مستمر في اعداد الضحايا منذ تصاعد الاحداث الاخيرة.
واكدت التقارير ان هؤلاء الاطفال يواجهون واقعا مريرا يمتد الى ما بعد الافراج عنهم ليصبح كل يوم معركة صامتة لاستعادة التوازن المفقود. واضافت المصادر ان استمرار سياسات الاعتقال يفاقم من تعقيد الملف الانساني لهؤلاء القاصرين الذين فقدوا ابسط مقومات الطفولة خلف القضبان.
من مرافقة مريض الى زنزانة العزلة
وبين محمود ابو وردة البالغ من العمر 16 عاما كيف انقلبت حياته راسا على عقب اثناء وجوده في الضفة الغربية. واوضح انه كان يرافق ابن عمه في رحلة علاج حين تعرض للاعتقال المباغت في ساحة المستشفى لتبدأ رحلة من المعاناة تجاوزت كل حدود التحمل.
واشار محمود الى انه وجد نفسه محاصرا في زنزانة ضيقة مع اخرين وسط اجواء من الصمت القسري والتهديدات المستمرة. وذكر انه تعرض لتحقيقات طويلة واهانات متكررة كانت تهدف الى كسر ارادته واذلاله خلال فترة احتجازه التي امتدت لايام ثقيلة.
وشدد الفتى على ان لحظات الافراج عنه لم تكن اقل رعبا حيث تم القاؤه بالقرب من احد المعابر تحت تهديد السلاح. وبين ان تلك اللحظات ظلت محفورة في ذاكرته كصورة من صور الرعب التي لا يمكن نسيانها رغم عودته الى احضان عائلته في قطاع غزة.
ضرب وترويع وتهديد بالاعدام
واكد محمود ان التهديد بالاعدام كان حاضرا بقوة في اروقة التحقيق مما جعل عائلته تعيش حالة من القلق الساحق لعدة ايام. واضاف ان والدته لم تكن تعلم بمصيره الا بعد ان تلقت خبرا بوجوده في احد المستشفيات بعد الافراج عنه في حالة نفسية صعبة.
واظهرت التجربة ان هؤلاء الاطفال يحتاجون الى دعم هائل لاستيعاب ما مروا به من قسوة. واشار الاهل الى انهم يحاولون بكل طاقتهم احتواء ابنائهم ومساعدتهم على تجاوز صدمة التهديد المستمر والظروف الموحشة التي عاشوها في غياهب السجون.
وبينت الوقائع ان العودة الى الحياة الطبيعية تبدو شبه مستحيلة في ظل الظروف الراهنة. واوضحت العائلات ان المحاولات مستمرة لترميم نفسية الاطفال واستعادة قدرتهم على الاندماج مجددا في المجتمع بعد ان سرق منهم السجن اجمل سنوات عمرهم.
من رعب المطاردة الى وحشة الزنزانة
واشار سعدي حسنين البالغ من العمر 15 عاما الى ان رحلته مع المعاناة بدأت قبل السجن حين كان شاهدا على استشهاد رفيقه. واوضح انه تعرض لمطاردة قاسية انتهت باقتياده الى السجن بعد ان اجبروه على خلع ملابسه وتعصيب عينيه في مشهد يعكس قمة الاذلال.
واضاف سعدي ان فترة اعتقاله في سجن سدي تيمان كانت مليئة بالوحشة والظلام. واكد انه حتى بعد خروجه لا يزال يعاني من عدم الاستقرار والتنقل المستمر بسبب خوفه من العودة الى حياة السجن او البقاء في مكان واحد يشعره بالتقييد.
وبين ان وجود مجندات يمارسن العنف اللفظي والجسدي كان من اكثر الامور قهرا له. واوضح ان هذا الجرح النفسي لا يزال ينزف كلما تذكر تفاصيل تلك الايام التي سلبته كرامته وحريته في آن واحد.
حرية الى خيمة ومشروع نجاة
وذكر فارس ابو جبل انه خرج من السجن ليجد نفسه وعائلته يعيشون في خيمة بعد ان دمرت الحرب كل شيء. واوضح انه سعى لتحويل طاقته الى عمل منتج عبر صناعة الاسمنت محليا كخطوة للنجاة واعالة اسرته.
واضاف فارس ان مشروعه الصغير اصبح ملاذه الشخصي للهروب من اضطرابات ما بعد الصدمة. واكد ان العمل الى جانب والده يمنحه شعورا بالانجاز ويساعده على نسيان قسوة الزنزانة التي قضاها مع والده في نفس الفترة.
واشار الى ان الحياة في الخيمة رغم صعوبتها اصبحت افضل بكثير من ذكريات السجن. وبين ان اصراره على بناء مستقبل جديد هو السبيل الوحيد لاستعادة جزء مما فقدوه في هذه الحرب الطاحنة.
ملف خطير يتطلب استجابة
واكد عبد الله قنديل مدير جمعية واعد للاسرى ان ملف الاطفال المحررين هو ملف بالغ الخطورة والخصوصية. واضاف ان هؤلاء الاطفال يواجهون واقعا يفتقر لابسط مقومات الدعم النفسي والاجتماعي في ظل غياب المؤسسات المتخصصة.
وبين ان الشهادات التي جمعتها الجمعية تكشف نمطا ممنهجا من التعذيب النفسي والجسدي. واوضح ان المجتمع الغزي يقف عاجزا امام حجم الكارثة التي تلم بجيلا كاملا من الاطفال الذين تضرروا بشكل مباشر من سياسات الاحتلال.
وختم التقرير بان رحلة الاسير القاصر لا تنتهي عند بوابة السجن. واضافت المعطيات ان الزنزانة تظل محفورة في ارواحهم ومحاولات الترميم تستغرق وقتا طويلا وجهدا مضاعفا من العائلات التي تقاتل من اجل استعادة طفولة ابنائها المسلوبة.
