تتجدد فصول المعاناة الانسانية داخل سجون الاحتلال التي تحولت في نظر الكثير من المؤسسات الحقوقية الى ما يشبه مقابر الاحياء حيث يواجه الاسرى الفلسطينيون سياسات قاسية توصف بانها اعدام بطيء وممنهج. وفي مدينة نابلس شمال الضفة الغربية تتجسد هذه المأساة في قصة عائلة عليوي وحرز الله التي تقاسمت مرارة الفقد مرتين في غضون عام واحد فقط. اذ لم تتوقف سياسة القمع عند حدود القيد بل امتدت لتخطف الارواح وتترك خلفها عائلات مثقلة بالاحزان.

واضافت المصادر ان الاسير مروان حرز الله البالغ من العمر خمسين عاما لحق بخاله الاسير سميح عليوي بعد نحو عام من استشهاده. وبينت ان رحيل حرز الله نهاية مارس الماضي جاء رغم حالته الصحية الصعبة حيث كان يعاني من بتر في قدمه نتيجة اصابة قديمة لم تشفع له لدى ادارة السجون. واوضحت ان هذا الفقد المزدوج عمق من وجع سمر عليوي المعروفة بام اسامة التي فقدت شقيقها وابنها في ظروف اعتقالية غامضة.

واكدت العائلة ان الشهيد مروان حرز الله لم يكن يعاني من امراض مزمنة قبل اعتقاله الاخير في يناير الماضي. واوضح ابن شقيقه فتحي انه كان يمارس حياته وعمله بشكل طبيعي حتى لحظة اقتحام منزله واعتقاله بتهمة التحريض. واشار الى ان عمه كان يتمتع بحضور اجتماعي لافت وعلاقة قوية مع افراد عائلته مما جعل خبر وفاته صدمة قاسية وغير متوقعة للجميع.

فقد صادم وغياب غامض خلف القضبان

وتابع فتحي حرز الله وصفه للحظات الاخيرة قبل الاعتقال مبينا ان عمه وعده بالتواصل في اليوم التالي الا ان اتصالا هاتفيا في ساعة متأخرة ابلغه بعملية الاعتقال. واضاف ان العائلة تلقت خبر استشهاده عبر الجهات الرسمية دون الحصول على تقرير طبي يوضح الاسباب الحقيقية للوفاة. وشدد على ان حالة من الخوف والترقب تسيطر على اهالي الاسرى في ظل التعتيم المطبق على ظروف احتجاز ابنائهم داخل سجون الاحتلال.

واوضحت ام اسامة ان جرحها لا يزال مفتوحا ولم يلتئم بعد فقدان شقيقها سميح عليوي الذي استشهد في ظروف مشابهة. وبينت ان همها الاكبر اليوم لا يقتصر على رحيل الشهيدين بل يمتد ليشمل مصير حفيدها تحرير نجل مروان الذي لا يزال معتقلا ولا تعلم العائلة ما اذا كان قد علم بنبأ وفاة والده ام لا.

واكدت سجود ابنة الاسير سميح عليوي ان والدها كان يعاني قبل اعتقاله من مشاكل صحية معقدة في المعدة وكان ينتظر اجراء عملية جراحية ضرورية. واضافت ان انقطاع اخباره في الايام الاخيرة قبل استشهاده كان مؤشرا مقلقا للعائلة التي لم تتلق اي توضيح رسمي حول ملابسات وفاته رغم شهادات اسرى اخرين تحدثوا عن تعرضه للضرب المبرح.

سياسات الاعدام البطيء ومقاصل السجون

واشار نادي الاسير الفلسطيني الى ان استشهاد سميح عليوي ومروان حرز الله يندرج ضمن منظومة متكاملة من السياسات الممنهجة التي تستهدف الاسرى. وبينت المتحدثة باسم النادي اماني سراحنة ان الزنازين تحولت الى مقاصل صامتة تقتل الاسير عبر هندسة الموت التي تتبناها ادارة السجون. واوضحت ان المصطلح الدارج بـ الاعدام البطيء هو في الواقع تتويج لعقود من التنكيل والاعتداءات الجسدية والنفسية.

واضافت سراحنة ان ادوات القتل تتنوع بين الاعدام الميداني المباشر والتعذيب الممنهج والاهمال الطبي المتعمد الذي يصل الى حد المماطلة القاتلة. واوضحت ان سياسة التجويع والحرمان من الغذاء والاعتداءات المستمرة تؤدي في النهاية الى تلاشي اجساد الاسرى وفنائها. واكدت ان هذه الممارسات تتم بغطاء سياسي وقانوني يهدف الى تحطيم ارادة الاسير الفلسطيني.

وكشفت المعطيات الحقوقية عن ارتفاع عدد شهداء الحركة الاسيرة منذ عام 1967 الى اكثر من 326 شهيدا. واوضحت ان التقديرات تشير الى ان الاعداد الحقيقية قد تكون اكبر بكثير في ظل التعتيم الاسرائيلي المطبق على ما يجري داخل المعتقلات. وبينت ان المرحلة الحالية تعد الاكثر دموية في تاريخ الحركة الاسيرة حيث اصبح السجن فضاء لممارسة ابادة جسدية ونفسية واسعة النطاق.

تحديات التوثيق في ظل التعتيم

واكدت المصادر الحقوقية ان تقارير التشريح الطبي غالبا ما تعجز عن كشف كامل تفاصيل حفلات التعذيب التي تسبق الوفاة. واضافت ان التحدي الاكبر يكمن في صعوبة توثيق الجرائم في ظل غياب الرقابة الدولية والمحاسبة القانونية. وشددت على ان استمرار هذه السياسات يتطلب تحركا عاجلا لوقف ما يتعرض له الاف الاسرى من انتهاكات يومية تهدد حياتهم.

واوضحت ان الفلسطينيين يحيون يوم الاسير في ظل ظروف استثنائية مع وجود الاف المعتقلين في سجون الاحتلال. وبينت ان الشعارات المرفوعة تركز على مواجهة سياسات الابادة والاعدام التي تشرعنها القوانين الاحتلالية. واكدت ان ملف الاسرى يظل القضية الاكثر وجعا في الذاكرة الفلسطينية الجماعية التي ترفض نسيان من قضوا خلف القضبان.

واضافت في ختام حديثها ان العائلات التي فقدت ابناءها في هذه الظروف تعيش حالة من القهر المستمر بسبب غياب الحقيقة. وشددت على ان المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية اخلاقية وقانونية تجاه ما يحدث داخل السجون. وبينت ان استعادة جثامين الشهداء ومعرفة اسباب وفاتهم هي مطالب عادلة لا يمكن التنازل عنها مهما طال الزمن.