في قلب حي الجمالية التاريخي وتحديدا داخل حاراتها الضيقة التي تفوح بعبق الماضي تتوارى وكالة الخيش كشاهد حي على عصور مضت بينما لا تزال خيوطها المتينة تربط الحاضر بالماضي العريق حيث ظلت هذه الوكالة تحتفظ بهويتها التجارية منذ قرون لتصبح معلما من معالم القاهرة التي ترفض التخلي عن ارثها رغم تقلبات الزمن.

وكشفت السجلات التاريخية ان المكان الذي عرفه المصريون بمركز تجارة الخيش احتفظ بمكانته عبر الاجيال منذ العصر العثماني ووصولا الى تولي عائلة بكر ادارة هذا الصرح في منتصف القرن الماضي حيث تحولت الوكالة من مجرد مكان للبيع الى بيت كبير يضم بين جدرانه قصص الكفاح والذكريات التي لا تنتهي.

واكد الحاج عربي بكر الذي يدير الوكالة حاليا ان هذا المكان يمثل له ولعائلته حياة كاملة تتجاوز حدود التجارة والربح مبينا ان الارتباط العاطفي بالمكان هو المحرك الاساسي لاستمرار العمل رغم كل التحديات الاقتصادية الصعبة التي تواجه الحرف التقليدية في الوقت الحالي.

تاريخ الخيش في مصر وتطوراته

وبينت الدراسات التاريخية ان استخدام الخيش في مصر يعود الى العصور القديمة حيث كان يصنع في البداية من نبات القنب واستخدمه الحكام في تبريد القصور قبل ان ينتقل استخدامه الى الاغراض المنزلية وتخزين المحاصيل الزراعية لحمايتها من عوامل المناخ.

واضافت الروايات التاريخية ان مرحلة هامة في تاريخ هذه الصناعة بدأت مع منع زراعة القنب في القرن التاسع عشر مما دفع التجار للاعتماد على الاستيراد من الخارج قبل ان تنجح الجهود المحلية لاحقا في استخدام نبات التيل كبديل محلي ناجح لتصنيع العبوات والخامات.

واوضحت الوقائع ان الوكالة لم تكن مجرد مخزن بل كانت جزءا من حركة الاقتصاد المصري طوال عقود طويلة وقد استطاعت ان تحافظ على بوابتها الاثرية ومدخلها المميز الذي يصفه المعماريون بالفريد من نوعه ليظل شامخا امام كافة محاولات التغيير التي طالت المنطقة المحيطة.

قصص العمال في وكالة الخيش

وكشفت قصص العمال داخل الوكالة عن طبيعة العلاقات الانسانية التي تجمعهم حيث تعتبر السيدة حمدية التي تعمل هناك منذ عقود نموذجا للاخلاص بعد ان وجدت في الوكالة ملاذا امنا ومصدرا للرزق ساعدها في تربية ابنائها في ظروف اجتماعية قاسية.

وذكرت حمدية ان العمل في الوكالة اصبح جزءا من كيانها اليومي فهي لا تشعر بالراحة الا بين لفائف الخيش وخيوطه التي اعتادت فكها وتجهيزها بمهارة فائقة مؤكدة ان المكان اصبح بيتها الثاني الذي لا تستطيع الابتعاد عنه مهما بلغت بها السنون.

واضاف سعيد انسي احد اقدم العمال انه رغم التحولات الكبيرة في المجتمع ونجاح ابناء جيله في الوصول الى مناصب كبرى الا ان الشغف بالعمل اليدوي داخل الوكالة لا يزال يدفعه للحضور يوميا لممارسة مهنته التي افنى فيها عمره بكل حب وتفان.

تحديات السوق والبحث عن الاستمرارية

وبين الحاج عربي بكر ان الارتفاع الكبير في اسعار البالات المستوردة فرض تحديات جسيمة على استمرار النشاط حيث اصبح رأس المال يوجه بالكامل لتغطية تكاليف الاستيراد المرتفعة ومع ذلك يرفض التخلي عن هذا الارث العائلي.

واشار الى ان محاولات الابن محمد عربي لتطوير المنتجات عبر صناعة الحقائب وقطع الزينة كانت خطوة جريئة في طريق التجديد الا انها اصطدمت بواقع السوق الذي لا يوفر طلبا مستمرا على هذه المشغولات اليدوية مما جعل الاعتماد عليها كمصدر دخل اساسي امرا غير مستقر.

واختتم بكر حديثه موضحا ان الوكالة ستظل مستمرة بفضل ايمان العائلة والعمال بان هذا المكان يمثل هوية لا تقدر بثمن مؤكدا ان الجيل الجديد سيحمل الراية ليضمن عدم انقطاع الخيوط التي تربط تاريخ الجمالية بمستقبلها.