بقلم: د. ثابت المومني
الملخص:
مع كامل الاحترام لجميع الأحزاب الأردنية والقائمين عليها، أرى أن حزب الأمة حقيقة سياسية واجتماعية راسخة، لا تختزلها مقاومة السلطة ولا مناكفات المنافسين والطامحين إلى المواقع. وقد كشفت الانتخابات السابقة تفوقه على كل منافس منفرد؛ إذ حصد وحده نحو ثلث الأصوات الصحيحة وأكثر من خمسي المقاعد الوطنية، بينما توزعت بقية الأصوات والمقاعد بين القوائم الأخرى.
هذا الحضور يضع على الحزب مسؤولية التحول الجذري نحو براجماتية وطنية تستفيد من التجربة الأردوغانية، وتلتزم بمصلحة الأردن دون تبعية، وبالقيادة الهاشمية والدستور، وبحق المواطن في حياة كريمة تقوم على العدالة والكفاءة. أما منافسوه، فعليهم تجاوز الشخصنة والتشتت وبناء قوة سياسية تستحق ثقة الناس؛ فمنافسة حزب راسخ تحتاج إلى مشروع يضاهيه.
★في التفاصيل:
حين أقول إن في الأردن حزبين؛ حزب الأمة وحزبًا ثانيًا لم يولد بعد، فإنني أقدم حكمًا سياسيًا وتنظيميًا من وجهة نظري، وأميز بين امتلاك عنوان حزبي وامتلاك وزن جماهيري قادر على التأثير. فالترخيص يمنح الحزب وجودًا قانونيًا، أما المجتمع فيمنحه مكانته، وهذه المكانة لا تُستعار من المناصب السابقة ولا تُصنع بالمؤتمرات وحدها.
لقد وضعت انتخابات 2024 الجميع أمام اختبار كاشف. والحزب الذي يحمل اليوم اسم «حزب الأمة» خاضها باسم «جبهة العمل الإسلامي»، وحصلت قائمته العامة على 464,350 صوتًا من أصل 1,378,125 صوتًا صحيحًا لجميع القوائم؛ أي 33.69%، مقابل 913,775 صوتًا لبقية القوائم مجتمعة، بنسبة 66.31%. وحصد 17 مقعدًا من أصل 41 مقعدًا وطنيًا، مقابل 24 مقعدًا لجميع منافسيه مجتمعين.
إذن، لم يتفوق الحزب على مجموع الآخرين، لكنه استقطب وحده نحو ثلث الأصوات وأكثر من خمسي المقاعد الوطنية. وهذه نتيجة ثقيلة سياسيًا: قوة واحدة متماسكة في مواجهة أصوات موزعة بين قوائم متعددة، لم يستطع أي منها منفردًا الاقتراب من وزنها.
وتتضح الفجوة أكثر عند مقارنة أبرز المنافسين؛ فقد حصل الميثاق على 93,680 صوتًا، وإرادة على 75,121 صوتًا، لتبلغ أصوات الجبهة نحو 2.75 ضعف أصوات الحزبين مجتمعين. وأحرز الميثاق أربعة مقاعد وطنية، باحتساب المقعد الشركسي الشيشاني، وإرادة ثلاثة، مقابل سبعة عشر للجبهة. لذلك فإن النقد الدقيق هو ضعف منافستهما على مستوى الاختيار الحزبي الوطني، مع الإقرار بالمقاعد التي حققاها.
وهنا أتحدث عن النتائج التي خرجت من الصندوق، دون إضافة الانضمامات اللاحقة إلى رصيد التأييد الانتخابي. فانتساب نائب إلى حزب بعد فوزه يوسع كتلته داخل المجلس، لكنه لا يمنحه بأثر رجعي أصوات الناخبين. كما تتداخل في الدوائر المحلية مكانة المرشح الشخصية والعائلية والخدمية مع انتمائه الحزبي؛ ولهذا يقدم التصويت للقائمة العامة مؤشرًا أكثر مباشرة على جاذبية الحزب بوصفه مشروعًا سياسيًا.
هذه النتائج، في تقديري، تكشف خطأ الخلط بين وزن الأشخاص داخل مؤسسات السلطة ووزنهم في المجتمع. فالمنصب السابق يمنح صاحبه خبرة وعلاقات، لكنه لا يضمن ثقة الناخب. وقد يتصدر مسؤول سابق منصة المؤتمر، ثم يعجز حزبه عن احتلال موقع متقدم في التصويت الوطني. عندها تصبح المراجعة واجبة: ماذا قدم الحزب حتى يثق به الناس؟ وأين برنامجه الذي يستحق الاقتراع له؟
المواطن ليس ملزمًا بمكافأة أحد على سيرته الوظيفية. من يطلب صوته عليه أن يقدم إجابات عن العمل والمياه والتعليم والصحة والعدالة، وأن يبين كيف سيراقب الحكومة ويحاسب المسؤولين. وحين يضع الحزب قائمة الأسماء مكان البرنامج، فإنه يراهن على الماضي، بينما يبحث الناخب عن مستقبل أفضل.
وأرى أن غلبة المال والشخصنة من أخطر أسباب ضعف التجربة الحزبية. فالحزب الذي يدور حول طموح مؤسسه، أو يتحدد قراره بمصالح مموله، أو تنشغل قياداته بحصصها أكثر من انشغالها بالمواطن، يعجز عن بناء مؤسسة تعيش بعد الأشخاص. والسؤال الذي ينبغي أن يواجهه بصدق: ماذا يبقى منه إذا غادر صاحبه، أو توقف تمويله، أو انتهى الموسم الانتخابي؟
أما الجزم بأن التشريعات فُصّلت لمصلحة أحزاب بعينها، أو أن دعمًا حكوميًا وُجّه إليها، فيحتاج إلى وقائع ووثائق محددة. لكن حياد مؤسسات الدولة وشفافية التمويل وتكافؤ الفرص واجبات لا تقبل الانتقائية. وكل امتياز يثبت وجوده يستوجب المساءلة، وكل حزب تتوافر له إمكانات واسعة ثم يبقى حضوره الانتخابي محدودًا مطالب بتفسير إخفاقه، لا بتجميله.
حزب الأمة، في قراءتي، ظاهرة راسخة في وجدان شريحة واسعة من الأردنيين، تمتلك امتدادًا يتجاوز أسماء القيادات والمناسبات الانتخابية. ولهذا يصعب اختزاله مهما اشتدت مقاومته، سواء جاءت من السلطة أو المنافسين أو الطامحين إلى الوصول إلى المواقع. فالخصومة معه لا تمنح خصومه تنظيمًا، والمناكفة لا تنتج برنامجًا، ومحاولة إضعافه لا تبني تلقائيًا ثقة بالآخرين.
لكن الرسوخ مسؤولية، والتفوق الانتخابي بداية امتحان. وعلى الحزب أن يتحول بصورة أكثر جذرية نحو براجماتية وطنية تجعل الاقتصاد والخدمات والإدارة والإنجاز في صلب عمله. وأقصد بالاستفادة من الصبغة الأردوغانية القدرة على بناء التحالفات وتحويل التأييد الشعبي إلى نتائج، مع صياغة تجربة أردنية مستقلة تخضع للدستور والمساءلة والتداول الديمقراطي.
أول أصول هذا التحول أن تكون مصلحة الأردن أولًا وأخيرًا؛ فهي المرجع في القرار والموقف والتحالف، دون تبعية لأي دولة أو تنظيم أو مشروع خارجي، مهما كانت الروابط الفكرية أو العاطفية. الحزب الأردني يستمد شرعيته من الأردنيين، ويتحمل مسؤوليته أمامهم.
وثانيها الإيمان بأن القيادة الهاشمية هي إطارنا الوطني الجامع. وأؤمن بدورها في خدمة الوطن والمواطن، وبأن العمل الحزبي يجب أن يجري داخل الدولة وفي إطار دستورها، مع ممارسة حق نقد الحكومات ومساءلة المسؤولين عن أدائهم. فالولاء يقترن بصدق النصيحة، والانتماء يفرض الدفاع عن كفاءة المؤسسات ونزاهتها.
وثالثها أن يصبح حق المواطن في حياة كريمة أساس البرنامج السياسي: فرص عمل، وخدمات عادلة، وتعليم وصحة يليقان بالناس، وإدارة تقدم الكفاءة على المحسوبية وتضع الشخص المناسب في المكان المناسب. وعلى الحزب أن يطبق هذه المعايير داخل تنظيمه؛ فصدقية المطالبة بالعدالة تبدأ بممارستها.
أما الأحزاب الأخرى، فعليها أن تحسم أمرها. أرى أن اندماج الأحزاب المتقاربة في حزب واسع هو الطريق الأقصر لبناء منافس جدي، بشرط وجود برنامج مشترك وقيادة منتخبة وتمويل شفاف وقرار مستقل. فالنتائج تبين أن أصوات الآخرين مجتمعة أكبر من أصوات حزب الأمة، لكنها لا تثبت أن جمعها تنظيميًا سيحافظ عليها تلقائيًا؛ نجاح الاندماج يتوقف على إقناع الناخبين بالمشروع الجديد.
وإذا تحول الاندماج إلى مساومة على الرئاسة والمكاتب والحصص، فإنه سيجمع أسباب الضعف في مؤسسة أكبر. ومن حق كل حزب الاحتفاظ باستقلاله، لكن عليه أن يوضح القيمة التي يضيفها. فإذا تشابهت البرامج والخطابات، وبقي الخلاف على الأشخاص والمواقع، فما الذي يبرر هذا التشتت؟ وما الذي يكسبه المواطن من تعدد العناوين؟
لن يولد الحزب الثاني من اجتماع لتوزيع المناصب. سيولد عندما تظهر قوة تعمل بين الناس طوال العام، وتقدم حلولًا قابلة للتنفيذ، وتقبل المحاسبة، وتكسب الثقة بجهدها وبرنامجها.
حزب الأمة حقيقة قائمة، ومنافسته تتطلب حقيقة سياسية تضاهيه. ومن يكبر حول الأشخاص ويصغر أمام الصندوق، عليه أن يراجع مشروعه قبل أن يعترض على خيارات الناس.
