بقلم: عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي
يا أسفي على وطنٍ يملك كل هذه الطاقات، ثم يتركها تنتظر. يا أسفي على شبابٍ يحملون الشهادات والطموحات والأحلام، ويطرقون أبواب الحياة عامًا بعد عام، ثم يعودون إلى بيوتهم محمّلين بالانتظار والإحباط. يا أسفي حين يصبح المستقبل بالنسبة إلى شاب في مقتبل العمر سؤالًا بلا جواب، وحين تتحول سنوات الدراسة والتعب والسهر إلى شهادة معلقة على جدار، بينما صاحبها عاجز عن إيجاد فرصة تمنحه حقه في العمل والحياة الكريمة.
المشكلة ليست في أن يبحث الشباب عن وظيفة، فذلك أمر طبيعي، وإنما المشكلة حين يتحول البحث عن العمل إلى سنوات طويلة من الانتظار، وحين يصبح الحصول على فرصة عادلة أصعب من الحصول على الشهادة نفسها. هناك شاب تخرج من الجامعة وهو يحمل أحلامًا كبيرة، كان يعتقد أن اجتهاده سيقوده إلى مكان يستحقه، وأن وطنه الذي احتضنه وعلمه سيمنحه فرصة ليبدأ حياته، فإذا به بعد عام وعامين وثلاثة أعوام لا يزال ينتظر، ثم تمر السنوات ويجد نفسه في الثلاثين، وربما الأربعين، وما زال السؤال نفسه يلاحقه: متى أبدأ حياتي؟
وهنا لا بد أن نتوقف، وأن نسأل أنفسنا بكل صراحة: ماذا فعلنا بهذا الجيل؟
هل يكفي أن نقول للشباب اصبروا؟ وهل يكفي أن نعقد المؤتمرات ونتحدث عن تمكين الشباب والريادة والابتكار، ثم يعود الشاب إلى بيته دون وظيفة ودون مشروع ودون أمل؟
أليس هؤلاء الشباب أبناء هذا الوطن العزيز؟ أليسوا أبناءنا وفلذات أكبادنا؟ ألم ينفق آباؤهم وأمهاتهم سنوات من أعمارهم وأموالهم من أجل تعليمهم وتأمين مستقبلهم؟ أليس من حق هؤلاء الشباب أن يحصلوا على فرصتهم العادلة في العمل والحياة؟
ولماذا يشعر الكثير من أبنائنا أن الوظائف الحكومية أصبحت بعيدة عنهم، وأن الوصول إليها يحتاج إلى واسطة أو معرفة أو نفوذ؟ نحن لا نريد أن نظلم أحدًا، ولا نريد أن نأخذ حق أحد، ولكننا نريد أن يكون المعيار هو الكفاءة والنزاهة والاستحقاق، وأن يشعر كل شاب أردني بأن أبواب الدولة مفتوحة أمامه وفق أسس واضحة وعادلة، وأنه يستطيع أن ينافس على الوظيفة دون أن يسأل نفسه أولًا: من أعرف؟ ومن يستطيع أن يساعدني؟
إن الوظيفة العامة ليست امتيازًا لفئة دون أخرى، وليست مكافأة تمنح للمحظوظين، وإنما مسؤولية يجب أن يصل إليها من يستحقها وفق القانون والمعايير العادلة. وكلنا أردنيون، وكلنا أبناء وطن واحد، وكلنا شركاء في هذا الوطن، ولا يجوز أن يشعر شاب أردني بأن هناك من هو أكثر أردنية منه عندما يتعلق الأمر بالفرصة والحق والمستقبل.
نحن نؤمن بالدولة ومؤسساتها، ونحترم القانون، ونريد لها القوة والاستقرار والنجاح، لكن قوة الدولة لا تكون فقط في قدرتها على إدارة الحاضر، وإنما في قدرتها على حماية مستقبل أبنائها. والدولة التي تريد من شبابها أن يكونوا أوفياء لها، عليها في المقابل أن تمنحهم سببًا يجعلهم يتمسكون بها ويؤمنون بمؤسساتها.
إن أخطر ما في البطالة ليس فقدان الراتب فقط، وإنما فقدان الأمل.
فالشاب الذي لا يعمل لا يفقد دخله فحسب، بل قد يؤجل زواجه، ويؤجل بناء بيته، ويؤجل استقلاله، ويؤجل مشروعه، وربما يؤجل حياته كلها. ومع مرور الوقت يبدأ الإحباط بالتسلل إلى داخله، ثم يتحول الإحباط إلى يأس، واليأس إذا استمر قد يأخذ الإنسان إلى أماكن لا نريد لأبنائنا أن يصلوا إليها.
نحن لا نريد لشبابنا أن يجدوا أنفسهم في الشوارع بلا هدف، ولا نريد أن تفتح أمامهم أبواب المخدرات والانحراف والجريمة، ولا نريد أن يدفعهم اليأس إلى الهجرة وترك وطنهم، ولا نريد أن يصل أحد منهم إلى مرحلة يشعر فيها أنه لا قيمة له في مجتمعه.
والأخطر أن بعض الشباب قد يموتون قهرًا من الداخل قبل أن يموتوا جسدًا؛ لأن الإنسان حين يشعر أن سنوات عمره تضيع أمام عينيه دون أن يستطيع أن يفعل شيئًا، فإن ذلك يترك في النفس جرحًا لا تظهره أرقام البطالة ولا تقارير المؤسسات.
لقد أصبح بعض أبنائنا في عمر الثلاثين والأربعين وما زالوا يبحثون عن فرصة. فماذا نقول لهم؟ هل نطلب منهم المزيد من الصبر؟ وكم يستطيع الإنسان أن يصبر على مستقبله؟
إن القضية لم تعد قضية وظيفة فقط، وإنما أصبحت قضية كرامة وأمل وعدالة اجتماعية واستقرار أسري ومستقبل وطن بأكمله.
نحن لا نطالب الحكومة بأن توظف كل شاب في مؤسسات الدولة، فهذا أمر غير ممكن وغير واقعي، ولا يمكن لأي دولة أن تكون مصنعًا للوظائف الحكومية. لكننا نطالبها بأن تضمن العدالة في الفرص، وأن تحارب الواسطة والمحسوبية، وأن تجعل الكفاءة هي الطريق، وأن تفتح المجال أمام الاستثمار الحقيقي، وأن تدعم القطاع الخاص، وأن تسهّل إنشاء المشاريع، وأن تربط التعليم باحتياجات سوق العمل، وأن توفر للشباب التدريب الذي يقود إلى عمل حقيقي لا إلى شهادة جديدة تضاف إلى ملف مليء بالشهادات.
الشباب ليسوا مشكلة تحتاج إلى إدارة، بل هم الحل الذي لم نحسن استثماره بعد.
لدينا طاقات هائلة، وعقول متعلمة، وشباب قادرون على العمل والإبداع والإنتاج، ولكن ما ينقصهم هو الطريق الذي يوصل هذه الطاقات إلى مواقع الإنتاج.
وإذا كانت الدولة تريد اقتصادًا قويًا، فعليها أن تستثمر في الإنسان. وإذا كانت تريد مجتمعًا مستقرًا، فعليها أن تمنح الشباب الأمل. وإذا كانت تريد وطنًا قويًا في المستقبل، فعليها أن تحافظ اليوم على ثقة أبنائها به.
إنصاف الشباب ليس منّة من أحد، بل حق لهم وواجب على الدولة والمجتمع.
فمن حق الشاب أن يعمل، ومن حقه أن يبني مستقبله، ومن حقه أن يتزوج ويؤسس أسرة، ومن حقه أن يحلم ببيت ومشروع وحياة كريمة، ومن حقه أن يشعر بأن وطنه يفتح له الطريق بدل أن يتركه واقفًا على أبواب المستقبل.
يا أسفي أن يأتي يوم نقول فيه: لقد أهملنا أبناءنا حتى فقدوا الأمل، وتركناهم سنوات طويلة ينتظرون، حتى أصبح بعضهم يبحث عن مستقبله خارج وطنه، وبعضهم يبحث عن أي طريق يخرجه من واقعه، وبعضهم استسلم لليأس.
لا نريد أن نصل إلى ذلك اليوم.
كفى تهميشًا لأبنائنا وفلذات أكبادنا.
كفى تأجيلًا لأحلامهم.
كفى أن يعيش الشاب سنوات عمره وهو ينتظر فرصة قد لا تأتي.
نريد دولة تنحاز إلى العدل، وتفتح أبوابها أمام الجميع، وتضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وتمنح كل أردني حقه في المنافسة على أساس الكفاءة والاستحقاق، بعيدًا عن الواسطة والمحسوبية.
كلنا أردنيون، وكلنا أوفياء لهذا الوطن، وكلنا مخلصون له، ولا نريد أن يأخذ أحد حق أحد، وإنما نريد أن يأخذ كل إنسان حقه.
أنصفوا الشباب قبل فوات الأوان.
فهم ليسوا عبئًا على الأردن، بل هم ثروته الحقيقية، وهم أمل الغد، وهم الذين سيحملون الراية من بعدنا.
لا تدمروا مستقبلهم، ولا تجعلوهم يفقدون الثقة بالدولة ومؤسساتها.
افتحوا أمامهم الأبواب، وأعطوهم الفرصة، واتركوا لهم مساحة ليعملوا ويبدعوا ويبنون.
فحين يعمل الشباب، تبنى الأسر.
وحين تبنى الأسر، يستقر المجتمع.
وحين يستقر المجتمع، يقوى الوطن.
فلننصف شبابنا اليوم، حتى لا نندم غدًا على مستقبلٍ كان يمكن أن يكون أكثر إشراقًا.
إنصاف الشباب ليس قضية فئة عمرية، بل قضية وطن يريد أن يبقى واقفًا وقويًا ومزدهرًا
