يحتدم التنافس العالمي المحموم لتأمين المعادن النادرة التي باتت تشكل العصب الرئيسي لصناعات المستقبل من السيارات الكهربائية الى تقنيات الدفاع والطاقة المتجددة. وتظهر المؤشرات الاخيرة ان الاتحاد الاوروبي يجد نفسه في موقع المتاخر عن الولايات المتحدة التي نجحت في بناء سلاسل امداد اكثر مرونة واقل اعتمادا على التنين الصيني. وتتسع الفجوة يوما بعد يوم بين طموحات بروكسل وواقعها العملي في ظل هيمنة واضحة للقوى العظمى الاخرى على عمليات الاستخراج والمعالجة.
واظهرت تقارير حديثة ان واشنطن ضخت منذ وقت قريب مبالغ طائلة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات لدعم مشروعات التعدين الاستراتيجية سواء داخل حدودها او عبر الاستحواذ على حصص في شركات عالمية في افريقيا ومناطق اخرى. واضافت تلك المعطيات ان الولايات المتحدة تتبع سياسة هجومية تهدف الى ضمان تدفق المكونات الحيوية للصناعات العسكرية والتكنولوجية مما يضع القارة العجوز في مأزق حقيقي. واكد خبراء في هذا المجال ان الاتحاد الاوروبي رغم تخصيصه مليارات اليوروهات الا انه لا يزال يواجه بطئا شديدا في تحويل التمويل الى واقع ملموس على الارض.
وبينت التحليلات ان جوهر المعضلة الاوروبية يتجاوز مجرد امتلاك المواد الخام في باطن الارض ليصل الى تعقيدات عمليات الاستخراج والتكرير والتحويل الصناعي التي تسيطر عليها الصين بنسب تصل الى تسعين بالمئة في بعض القطاعات. واوضحت التقارير ان هذا التركز الجغرافي يجعل سلاسل الامداد العالمية عرضة لهزات سياسية واقتصادية قد تطيح بصناعات باكملها. وشدد المراقبون على ان اي اضطراب في هذه الامدادات سيعني بالضرورة تعطل توربينات الرياح وصناعات السيارات الكهربائية التي تراهن عليها اوروبا في تحولها الاخضر.
طموحات اوروبية تصطدم بالواقع
وسعت المفوضية الاوروبية لتدارك الموقف عبر قانون المواد الخام الحرجة الذي دخل حيز التنفيذ لتعزيز القدرات المحلية. واكدت المفوضية ان المستهدف هو تأمين نسبة معتبرة من الاحتياجات السنوية عبر الاستخراج المحلي واعادة التدوير بحلول عام 2030 لتقليل الاعتماد على موردين من خارج القارة. واضافت ان هذه الاستراتيجية ضرورية لحماية سيادة الاتحاد التقنية والدفاعية في عالم يتسم بالتقلبات الحادة.
وبينت الوثائق الاوروبية ان الهدف هو الا تتجاوز نسبة الاعتماد على دولة ثالثة واحدة اكثر من خمسة وستين بالمئة لكل مادة استراتيجية. واوضح مسؤولون ان الفجوة تبدأ في الاتساع بمجرد الانتقال من مرحلة وضع القوانين الطموحة الى مرحلة تنفيذ المشروعات على ارض الواقع. واكد القطاع الصناعي الاوروبي ان الاهداف النظرية لا تترجم دائما الى تراخيص سريعة او تمويل كاف للمشروعات المتعثرة.
واظهرت بيانات محكمة المدققين الاوروبية ان التحدي الحقيقي يكمن في تطوير القدرات المحلية التي تتطلب استثمارات ضخمة واجراءات بيروقراطية اقل تعقيدا. واضافت التقارير ان تصنيف المشروع بانه استراتيجي لا يعني بالضرورة تدفق الاموال اليه بسلاسة. وشدد الصناعيون على ان التمويل يظل هو الحلقة الاضعف التي تعيق حركة الاتحاد نحو تحقيق استقلالية معادن المستقبل.
مقارنة بين النهج الامريكي والاوروبي
وكشفت المقارنات الاقتصادية ان واشنطن تعتمد نهجا مباشرا في ضخ الاستثمارات الحكومية لتقليل المخاطر وجذب القطاع الخاص نحو مشروعات التعدين. واضافت ان هذا التحرك الامريكي يشمل شراكات خارجية استراتيجية لضمان تدفق المعادن بعيدا عن النفوذ الصيني. وبينت التحليلات ان هذا النهج يمنح الولايات المتحدة تفوقا في السرعة والحسم مقارنة بالآليات الاوروبية التي تعتمد على التنسيق بين الدول الاعضاء.
واظهرت الارقام ان الصين لا تزال تمسك بزمام المبادرة في تعدين العناصر النادرة ومعالجتها مما يجعل واشنطن واوروبا في سباق محموم لبناء بدائل حقيقية. واكدت التقارير ان المفارقة تكمن في ان سعي اوروبا للتحرر من الصين قد يوقعها في نوع جديد من التبعية للولايات المتحدة التي تستثمر بقوة في الشركات الاوروبية. واضافت ان بروكسل تحاول البحث عن توازنات جديدة عبر التعاون مع كندا واليابان لضمان عدم بقاء سلاسل الامداد تحت رحمة قرارات القوى الكبرى.
وبينت استراتيجية الاتحاد ان اعادة التدوير تشكل ركيزة اساسية لا تقل اهمية عن التعدين لتقليل الحاجة الى مناجم جديدة. واوضحت ان الهدف هو تأمين ربع الاستهلاك السنوي عبر تدوير النفايات الالكترونية والمنتجات المستعملة بحلول عام 2030. واكد خبراء ان نجاح هذه الخطة يتوقف على تطوير تقنيات متقدمة للمعالجة واستعادة المعادن من الخردة التي لا تزال تعاني من نقص في الاستثمارات والمنشآت اللازمة.
هل تنجح بروكسل في اللحاق بالركب؟
وتشير المعطيات الحالية الى ان المعادن النادرة اصبحت جزءا لا يتجزأ من ملف الامن القومي والسيادة التكنولوجية. واضافت التقارير ان التأخر الاوروبي لا يهدد فقط برفع تكاليف الانتاج بل يضع الصناعات الاستراتيجية تحت رحمة التوترات الجيوسياسية. وبينت ان بروكسل تستعد لطرح حزمة جديدة من الاجراءات في الخريف المقبل لتعزيز التنافسية والتمويل.
واكد الصناعيون ان الوقت يداهم الاتحاد الاوروبي الذي يمتلك الخطط ولكنه يفتقر الى سرعة التنفيذ والقدرة على بناء السلسلة الكاملة من المنجم الى المنتج النهائي. واضافت التحليلات ان النجاح يتطلب تحولا جذريا في ادوات التمويل وتسهيل الاجراءات الادارية. واكد مراقبون ان الاتحاد الاوروبي امام اختبار مصيري لتثبيت اقدامه في خارطة المعادن العالمية قبل فوات الاوان.
وخلصت التقارير الى ان المسألة ليست في ندرة الموارد بل في القدرة على حشد الاموال والارادة السياسية لتنفيذ المشروعات. واوضحت ان الخطط الاوروبية تظل على الورق ما لم تقترن بآليات تنفيذية تضاهي السرعة الامريكية. واضافت ان المستقبل الصناعي للقارة يعتمد بشكل كلي على مدى قدرة بروكسل في الاشهر المقبلة على تجاوز البيروقراطية وتأمين مصادر المعادن الضرورية.
