تعد المربوعة في ليبيا اكثر من مجرد غرفة لاستقبال الضيوف او مساحة اجتماعية تقليدية، فهي تمثل ركيزة اساسية في النسيج الاجتماعي والسياسي الذي يربط بين الاجيال في مختلف المدن والقرى. وتكشف الممارسات اليومية ان هذه المجالس لا تزال حاضرة بقوة في البيوت الليبية، حيث يتجمع الشيوخ والشباب لتبادل الاراء حول قضايا الوطن وهموم المواطن اليومية بعيدا عن الرسميات. واظهرت المشاهدات الميدانية في مدن مثل سلوق ان هذه الغرف الملحقة بالمنازل تحولت الى منصات للنقاش حول ملفات حيوية كاعادة الاعمار والخدمات العامة، وحتى التطورات الامنية والسياسية التي تشغل بال الليبيين في شرق البلاد وغربها.
المربوعة كحاضنة للمجتمع والسياسة
وبينت الدراسات الاكاديمية ان التطور العمراني في المنازل الليبية الحديثة لم ينجح في اقصاء المربوعة من تصميم البيوت، بل حافظ عليها الليبيون كمساحة مستقلة وواسعة تعكس تمسكهم بالارث الاجتماعي. واكد باحثون في مجال العمارة ان هذه المساحة ظلت تؤدي دورها التاريخي في جمع الناس وتقريب وجهات النظر، رغم تغير الانماط المعمارية وتطور اساليب الحياة. واضاف مراقبون ان الدور السياسي للمربوعة لم يظهر فجأة بعد الاحداث الكبرى التي شهدتها البلاد، بل كان موجودا منذ القدم وان كان بشكل محدود وموجه لحل النزاعات الاهلية وجمع التبرعات وتنظيم المناسبات الاجتماعية.
تحولات الدور السياسي في ظل غياب المؤسسات
واوضح مختصون في التنمية السياسية ان المربوعة اكتسبت زخما اضافيا بعد ضعف مؤسسات الدولة، حيث وفرت ملاذا امنا للحوار بعيدا عن اقتحامات الميليشيات او التوترات الامنية التي قد تعيق اللقاءات الرسمية. واشاروا الى ان هذه المجالس لعبت دور رمانة الميزان خلال فترات غياب الدولة، مما جعلها فضاء مفضلا للمصالحات المحلية وتقريب وجهات النظر بين القبائل والمدن المتخاصمة. وشدد مهتمون بالشأن الليبي على ان التفاهمات التي تخرج من المربوعة تحظى بوزن اجتماعي كبير، مما يمنحها قوة تنفيذية وقبولا شعبيا لا تملكه الكثير من المؤسسات الرسمية في بعض المناطق.
بين التقاليد والعمل السياسي الحديث
وذكر سياسيون ان المربوعة اصبحت في الوقت الراهن محطة اساسية للتشاور حول الانتخابات واختيار المرشحين، خاصة خارج مراكز المدن الكبرى حيث لا يزال الطابع القبلي والاجتماعي هو المحرك الاساسي للعمل العام. واكدوا ان هذا الدور لا يقتصر على المناطق النائية فحسب، بل يمتد الى ضواحي العاصمة طرابلس، حيث تسبق اللقاءات في المربوعة غالبا الاجتماعات الرسمية التي تعقد في الفنادق والمكاتب. واوضحت المعطيات الميدانية ان القيادات السياسية والعسكرية والامنية لا تزال تحرص على عقد لقاءات داخل هذه المجالس لكسب الولاءات وبناء تحالفات متينة بعيدا عن الاضواء الاعلامية المباشرة.
تحديات التأثير الاجتماعي على الدولة
وبينت التقارير ان اتساع نفوذ المربوعة في توجيه الشأن العام يثير في الوقت ذاته نقاشات واسعة حول دور المؤسسات غير الرسمية في ادارة البلاد. واكد خبراء ان هناك تحذيرات متزايدة من ان تحل هذه التجمعات الاجتماعية محل مؤسسات الدولة الرسمية مما قد يؤثر على تماسك النظام السياسي والقانوني. واضاف محللون ان التوازن بين الحفاظ على الاعراف الاجتماعية الاصيلة وبين بناء دولة مؤسسات قوية يظل التحدي الاكبر الذي يواجه المجتمع الليبي في مرحلة التحول الراهنة.
