كشفت دراسة حديثة عن تحولات جذرية في طبيعة العنف الاستيطاني داخل الضفة الغربية، موضحة ان الظاهرة لم تعد مجرد تصرفات فردية عشوائية بل تحولت الى بنى تنظيمية وفكرية متماسكة. واظهرت البيانات ارتفاعا مذهلا في وتيرة الاعتداءات التي قفزت من 221 حادثة في عام 2016 الى اكثر من 1800 حادثة في العام الجاري، مما يعكس تصاعدا نوعيا في مستوى الفتك والتهديد الذي يواجه السكان الفلسطينيين. واكدت الدراسة ان هذه التشكيلات المسلحة باتت تمتلك اليات عمل واضحة وغطاء سياسيا ودينيا يوفر لها الحماية والوسائل اللازمة لفرض سياسة الامر الواقع على الارض.

جذور فتية التلال وتطور الاستيطان بالقوة

وبينت الدراسة ان نواة هذه التشكيلات بدأت مع ما يعرف بـ فتية التلال، الذين استجابوا لدعوات ارييل شارون في اواخر التسعينيات باحتلال التلال ومنع انتقال الاراضي للسيطرة الفلسطينية. واضافت ان هذا التيار تبلور بشكل منهجي بعد عام 2002، حيث تحول الشباب المستوطنون الى قوة ميدانية تعيش في بؤر نائية ومعزولة بعيدا عن القوانين. واوضحت ان خطة فك الارتباط عن غزة عام 2005 شكلت نقطة تحول مفصلية، حيث ولدت لدى هؤلاء المستوطنين عداءً عميقا تجاه المؤسسة الرسمية الاسرائيلية حين شعروا ان الجيش قد يتراجع عن مشروع الاستيطان.

العنف كأداة دينية وسياسية

وذكرت الدراسة ان التوجه العقدي لهؤلاء المستوطنين استند الى مرجعيات دينية متطرفة، ترى في العنف وسيلة لتسريع الخلاص المزعوم وظهور المخلص المنتظر. واشارت الى ان فلسفة تدفيع الثمن التي تبناها المستوطنون تهدف الى خلق ردع ثلاثي يشمل الفلسطينيين والحكومة والجيش الاسرائيلي على حد سواء. واكدت ان هذه العمليات لم تقتصر على الهجمات الفردية، بل امتدت لتشمل حرق ممتلكات واستهداف دور العبادة، حيث تم رصد اعتداءات طالت عشرات المساجد في فترة زمنية قصيرة.

المزارع الاستيطانية كأداة للسيطرة الجغرافية

واضافت الدراسة ان المزارع الاستيطانية باتت تمثل الاداة الاكثر فاعلية في السيطرة على مساحات شاسعة من الضفة الغربية، متجاوزة في مساحتها اضعاف المستوطنات التقليدية. واوضحت ان هذه المزارع تعمل كقواعد انطلاق لترهيب المزارعين الفلسطينيين وطردهم من اراضيهم، مما يخدم المشروع الاستيطاني في عزل القرى الفلسطينية. وكشفت الارقام ان عدد المزارع الاستيطانية تضاعف بشكل كبير، لتصبح هي المحرك الاساسي لعمليات التهجير القسري في مناطق واسعة من الضفة الغربية.

اندماج المستوطنين في المنظومة العسكرية

وشددت الدراسة على ان الخطر الاكبر يتمثل في تداخل الخطوط بين المستوطن المسلح والجندي الرسمي، خاصة بعد تجنيد الاف المستوطنين في وحدات الاحتياط لحماية البؤر. وبينت ان منح هؤلاء غطاء قانونيا وصلاحيات عسكرية جعلهم يمارسون العنف ضد الفلسطينيين تحت مظلة رسمية. واكدت ان هذا التغلغل يعزز من قوة التيار الديني القومي داخل الجيش، مما يزيد من صعوبة كبح جماح هذه التشكيلات التي باتت تهدد الوجود الفلسطيني بشكل مباشر ووجودي في ظل غياب اي رادع حقيقي.