تواجه العاصمة السودانية الخرطوم تحديا امنيا واجتماعيا متفاقما يتمثل في الانتشار الواسع لتجارة وتعاطي المخدرات في ظل الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب على البلاد. واظهرت المتابعات الميدانية ان شوارع المدينة ومحيط المرافق العامة تحولت الى نقاط بيع علنية تستهدف فئة الشباب بشكل مباشر ومكثف. واكدت التقارير ان غياب الرقابة الصارمة وتداعيات النزاع المسلح وفرا بيئة خصبة لشبكات الترويج لنشر سمومها بين الاجيال الصاعدة.
وكشفت جولات ميدانية في مواقع حيوية مطلة على النيل عن توافد اعداد كبيرة من الشباب للحصول على جرعاتهم في وضح النهار دون اي خوف من الملاحقة. واضاف شهود عيان ان عمليات التبادل تتم بسرعة فائقة عبر تنسيق هاتفي مسبق يضمن للمروجين تغيير مواقعهم باستمرار لتجنب الدوريات الامنية. وبينت المشاهد ان بعض المروجين يستخدمون مظاهر خادعة كارتداء ملابس رسمية وحمل حقائب حاسوب لتمويه نشاطهم الاجرامي.
واوضح مراقبون ان المقاهي اصبحت مراكز توزيع رئيسية تعتمد على خدمات التوصيل السريع للمخدرات باسعار متفاوتة حسب نوع المادة ومخاطر النقل. واكدت السلطات المحلية ان اتساع الرقعة الجغرافية للخرطوم زاد من صعوبة ضبط كافة المنافذ التي تستغلها الشبكات الاجرامية في عمليات التصنيع والترويج. وشدد المسؤولون على ان هذه الظاهرة لم تعد محصورة في فئة معينة بل بدأت تتسرب الى المؤسسات التعليمية والمناطق السكنية.
انواع المخدرات المنتشرة في الخرطوم
وبين خبراء مكافحة المخدرات ان المواد المتداولة تنقسم الى فئات طبيعية ومصنعة كيميائيا ومواد تخليقية شديدة الخطورة يتم تركيبها في مختبرات سرية. واشار المتخصصون الى ان مادة الايس او ما يعرف محليا بالشبو تتصدر قائمة المواد الاكثر فتكا بالجهاز العصبي للشباب. واضافوا ان هذه المادة تسبب اضطرابات نفسية حادة وانهيارا كاملا في وظائف الجسم الحيوية كالقلب والكبد والكلى.
وكشفت التحقيقات عن ممارسات بالغة الخطورة يلجأ اليها المدمنون للحصول على النشوة بعد ارتفاع اسعار المخدرات حيث يتم سحب دماء المتعاطين حديثا لحقنها في اجساد اخرين. واكدت المصادر ان هذا السلوك يرفع من معدلات الاصابة بالامراض المعدية مثل فيروس نقص المناعة والتهاب الكبد الوبائي. واوضح الاطباء ان الادمان على هذه المواد يؤدي الى فقدان السيطرة على السلوك الشخصي ويدفع المتعاطين لارتكاب جرائم عنيفة لتوفير ثمن الجرعات.
واكد مدير ادارة مكافحة المخدرات ان الدولة تخوض معركة خفية لا تقل ضراوة عن الحرب العسكرية لانها تستنزف الطاقات البشرية للمجتمع. وبين ان استراتيجية المكافحة تركز على ثلاثة محاور تبدأ بقطع خطوط الامداد وتدمير المحاصيل مرورا بحملات التوعية وصولا الى برامج العلاج. واضاف ان التعاون مع المؤسسات الصحية يمثل ركيزة اساسية لاحتواء المصابين وتأهيلهم للعودة الى حياتهم الطبيعية.
مبادرات العلاج ومستقبل المواجهة
واوضحت وزارة الصحة السودانية عن خطط طموحة لاعادة تأهيل مراكز علاج الادمان في الخرطوم وبورتسودان لاستيعاب الاعداد المتزايدة من الحالات. واضافت البيانات الرسمية ان نسبة كبيرة من المراجعين للعيادات النفسية يعانون من تداعيات التعاطي خاصة في الفئة العمرية الشابة. وشدد المسؤولون على ضرورة تضافر الجهود المجتمعية والحكومية للحد من انتشار هذه الافة التي تهدد النسيج الاجتماعي.
وكشف متعافون من الادمان عن اساليب الاستدراج التي يتبعها المروجون عبر تقديم جرعات مجانية في البداية لايقاع الشباب في فخ الاعتماد الجسدي. واكدت السلطات الامنية ان قرار تشكيل محاكم خاصة للنظر في جرائم المخدرات يمثل خطوة حاسمة في طريق فرض هيبة القانون. واضافت ان المواجهة الشاملة تتطلب دمج الحلول الامنية بالارشاد النفسي والتوعية المكثفة داخل المدارس والجامعات.
واشار خبراء قانونيون الى ان نجاح هذه الحملة مرهون بقدرة الدولة على تفكيك الشبكات العابرة للحدود التي تغذي السوق المحلية. واكدوا ان حماية الشباب تتطلب استجابة وطنية فورية تعامل الادمان كقضية صحية واجتماعية تتطلب تكاتف الجميع. وبينت التقارير ان الوعي الاسري يبقى خط الدفاع الاول ضد محاولات تدمير مستقبل الاجيال عبر السموم المخدرة.
