شهدت العلاقات بين الجزائر ومالي تحولا مفاجئا نحو التهدئة بعد فترة طويلة من التوتر الدبلوماسي والاتهامات المتبادلة التي وصلت إلى حد القطيعة. وجاء هذا الانفراج نتيجة سلسلة من التنازلات المتبادلة التي غلبت لغة المصالح المشتركة على الخلافات السياسية التي عصفت بالبلدين الجارين. واعلن الطرفان بشكل رسمي عن خطوات عملية لاستعادة الدفء في العلاقات الثنائية شملت فتح الأجواء الجوية وعودة السفراء لمباشرة مهامهم الدبلوماسية بشكل كامل. واوضحت التطورات الأخيرة أن الجانبين توصلا إلى قناعة بضرورة طي صفحة الخلافات التي تأثرت بها حركة التجارة والتنسيق الأمني في منطقة الساحل. وبينت المعطيات الميدانية أن هذا التقارب لم يكن وليد اللحظة بل جاء نتيجة تفاهمات هادئة تهدف إلى إبعاد شبح التوتر عن الحدود المشتركة التي تمتد لمسافات طويلة. واكدت مصادر مطلعة أن البلدين فضلا تغليب الحكمة السياسية على التصعيد الإعلامي الذي ساد خلال الأشهر الماضية.

كواليس الانفراجة الدبلوماسية

وكشفت التفاهمات عن مرونة جزائرية في التعامل مع ملفات سياسية كانت تشكل نقطة خلاف حادة مع السلطة في باماكو. واضافت المصادر أن الجزائر عملت على تقليص مساحات النشاط السياسي لبعض المعارضين الماليين المقيمين على أراضيها استجابة للمخاوف الأمنية التي طالما أبدتها الحكومة المالية. وشددت باماكو في المقابل على وقف حملات التخوين والاتهامات العلنية التي كانت توجه للجزائر بالتدخل في الشؤون الداخلية. وبينت الخطوات أن المجلس العسكري المالي أدرك الحاجة الماسة لاستعادة قنوات التنسيق الأمني مع الجزائر لمواجهة التحديات الإرهابية المتزايدة في المنطقة. واكد خبراء في شؤون الساحل أن هذا التحول يعكس رغبة باماكو في تجاوز الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تفاقمت بسبب إغلاق الحدود وتراجع التعاون الإقليمي.

من التصعيد إلى لغة الحوار

واظهرت الفترة الماضية ذروة في التوتر الدبلوماسي تمثلت في تبادل حاد للاتهامات في المحافل الدولية وتصريحات قوية بين مسؤولي البلدين. واوضحت الاحداث السابقة أن هذا الانحطاط في لغة الخطاب كان نتيجة طبيعية لتراكمات سياسية وأمنية معقدة. واضافت التطورات الأخيرة أن الإرادة السياسية عادت لتتصدر المشهد بعد أن أدرك الطرفان أن استمرار الجفاء لا يخدم أمن المنطقة ولا استقرارها. وبين المراقبون أن عودة السفراء وفتح الأجواء تعد مؤشرا قويا على نضج سياسي يسعى لتجاوز الموروثات الاستعمارية والتركيز على التعاون السيادي. واختتمت الجهود الدبلوماسية بفتح صفحة جديدة مبنية على الاحترام المتبادل والمصالح الاستراتيجية التي تجمع الشعبين في فضاء جغرافي واحد.