في ظل الظروف القاسية التي يمر بها قطاع غزة تبدو رحلة كيس الدم من ذراع المتبرع الى المريض اشبه بمعجزة يومية تتحدى الموت والدمار. تمر هذه الوحدات بسلسلة معقدة من الفحوصات الدقيقة وعمليات الفصل والحفظ قبل ان تصل الى مستحقيها في غرف الطوارئ او اسرة العلاج. وبينما تزداد الحاجة اليومية للدم مع تزايد اعداد الجرحى والمصابين تقف المنظومة الصحية امام تحديات وجودية تهدد استمرار هذه الخدمة الحيوية.

ويؤكد يوسف ابو حلبية وهو متبرع دائم ان التبرع بالدم اصبح واجبا انسانيا ووطنيا لا يمكن التخلي عنه رغم الظروف الصعبة. واضاف ان شعوره بالانتماء يدفعه للالتزام بموعده كل ثلاثة اشهر للمساهمة في انقاذ حياة الجرحى والمحتاجين. وبين ان تجربته الشخصية خلال فترات المجاعة ونقص الغذاء جعلته يدرك ان المتبرع نفسه يحتاج الى قدر كبير من القوة البدنية ليتمكن من تقديم هذا العطاء للاخرين.

واكدت تغريد الدلو مسؤولة قسم فصل الدم في مجمع الشفاء الطبي ان الكيس الواحد يتم تحويله الى مكونات متعددة لخدمة اكثر من مريض. واوضحت ان جهاز الطرد المركزي بات يمثل عصب العمل في القسم بعد خروج الاجهزة الاخرى عن الخدمة بسبب التدمير الممنهج. وبينت ان الطواقم تضطر لاستخدام قطع فلين لتثبيت الجهاز ومنع اغلاقه المفاجئ في مشهد يعكس حجم المعاناة التقنية التي تعيشها المستشفيات.

التحديات التشغيلية وازمة الكهرباء في غزة

واضافت الدلو ان القسم يواجه خيارين لا ثالث لهما اما ايقاف الخدمة تماما او الضغط الهائل على الموظفين لتقديم المساعدة لكل المرضى المترددين على المستشفى. وشددت على ان فقدان الفريزرات المخصصة لحفظ البلازما تسبب في خسارة الاف الوحدات الحيوية التي كانت مخزنة قبل توقف الامدادات الكهربائية. واوضحت ان الوحدات المتبقية يتم التعامل معها بحذر شديد وضمن بروتوكولات صارمة لضمان سلامتها قبل وصولها للمرضى.

وبين الدكتور وائل الليثي رئيس قسم بنك الدم ان المستشفى كان يغطي جزءا كبيرا من احتياجات وزارة الصحة قبل الحرب. واكد ان فقدان معظم الاجهزة المخبرية اضطر الطواقم للجوء الى الفحص اليدوي كبديل قسري لضمان استمرار الخدمة. واضاف ان انقطاع التيار الكهربائي يظل التحدي الاكبر الذي يهدد باتلاف المخزون المحدود من وحدات الدم ومشتقاتها في ظل الضغط المتواصل.

واوضح الليثي ان بعض الحالات الحرجة مثل مرضى الثلاسيميا اصبحت تواجه خطرا حقيقيا نتيجة استنزاف الارصدة المتاحة. وشدد على ان غياب الاجهزة الحديثة جعل من عملية سحب الدم وتجهيزه مهمة محفوفة بالمخاطر التقنية. واضاف ان الطواقم الطبية تعمل في ظروف استثنائية تحاول من خلالها الموازنة بين الحاجة العاجلة للاصابات وبين معايير السلامة الطبية للمتبرعين والمرضى.

انهيار المنظومة الصحية وفجوة الطلب

وبين ديب جمعة الراعي رئيس قسم مختبرات الرعاية الاولية ان هناك فجوة كبيرة بين كميات الدم المسحوبة وحجم الطلب الفعلي داخل المستشفيات. واكد ان الحملات الخارجية للتبرع بالدم يتم تنظيمها بشكل مكثف لتغطية العجز الحاصل في الارصدة الحيوية. واضاف ان الفصائل السالبة وعلى رأسها O- تشهد طلبا متزايدا لا يمكن تلبيته بسهولة في حالات الطوارئ.

وكشفت المعطيات الرسمية ان عدد بنوك الدم العاملة تقلص بشكل كبير منذ اكتوبر الماضي مما ادى الى ضغط هائل على المراكز المتبقية. واظهرت الاحصاءات ان حجم الصرف من وحدات الدم ومشتقاته تجاوز ضعف الكميات المسحوبة خلال فترات الحرب. واضافت البيانات ان الدعم الخارجي القادم من الضفة الغربية والاردن لعب دورا محوريا في تعزيز الارصدة وتجاوز الازمات الحادة التي كادت توقف العمل الطبي.

واوضح الراعي ان سنوات الحرب شهدت ارتفاعا قياسيا في معدلات صرف وحدات الدم مقارنة بالسنوات السابقة. وشدد على ان استمرار الحاجة للدم الامن يظل اولوية قصوى لضمان بقاء الجرحى واصحاب الامراض المزمنة على قيد الحياة. واضاف ان الجهود الميدانية مستمرة رغم كل المعوقات لضمان عدم توقف نبض الحياة في بنوك الدم التي باتت تمثل خط الدفاع الاخير للمنظومة الصحية في غزة.