عوني الرجوب: خبير في الشؤون الحزبية والسياسية يحلل واقع بعض الأحزاب الأردنية
قال الباحث والكاتب السياسي عوني الرجوب إن بعض الأحزاب التي كان يُطلق عليها سابقاً وصف “الدكاكين السياسية” أثبتت حضوراً وقوة تنظيمية أكبر من بعض الأحزاب التي يصفها البعض اليوم بـ“المولات السياسية”.
وأضاف الرجوب أن التفرد في اتخاذ القرار داخل بعض الأحزاب يؤدي إلى تفككها ويضعف قدرتها على السيطرة على مفاصلها التنظيمية، مؤكداً أن غياب العمل المؤسسي الحقيقي يهدد استقرار أي حزب سياسي.
وأشار إلى أن تقييم الأحزاب لا ينبغي أن يعتمد على عدد المنتسبين على الورق، موضحاً أن “معظم الأرقام المعلنة هي مجرد تجميع هويات، ولا تعكس بالضرورة حضوراً فعلياً على أرض الواقع”.
وفيما يلي نص المقال الذي ورد على لسان الباحث والكاتب السياسي:
⸻
الأحزاب بين وهم الأرقام وحقيقة العمل السياسي
بقلم: عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي
لا تُبنى الأحزاب السياسية بالشعارات، ولا تُقاس قوتها بعدد الأعضاء المسجلين على الورق، بل بقدرتها على الحضور في الميدان وصناعة القرار وإنتاج البرامج وخلق حالة سياسية فاعلة ومؤثرة في المجتمع.
المتابع للمشهد الحزبي يلاحظ أن بعض الأحزاب ما زالت تعاني من حالة من التخبط والجمود التنظيمي، فلا اجتماعات دورية منتظمة، ولا خطط واضحة، ولا برامج قابلة للتنفيذ، ولا فعاليات سياسية أو ثقافية أو إعلامية تعكس وجود الحزب ودوره الحقيقي. حتى في العديد من المناسبات الوطنية التي تستوجب حضوراً سياسياً فاعلاً، يغيب بعضها عن المشهد وكأن وجوده يقتصر على الأوراق والبيانات الرسمية فقط.
المشكلة الأكبر أن بعض الأحزاب ما زالت تُدار بعقلية الرجل الواحد، حيث تنحصر القرارات بيد الأمين العام أو دائرة ضيقة جداً من المقربين، بينما تتراجع أدوار المؤسسات الحزبية والقيادات المنتخبة، وتتحول الاجتماعات والهيئات إلى مجرد عناوين بلا تأثير حقيقي في صناعة القرار.
الحزب الذي تُعطَّل فيه المؤسسات لصالح الأشخاص يفقد تدريجياً قدرته على التطور والاستمرار، لأن العمل السياسي الناجح يقوم على الشراكة وتوزيع المسؤوليات والاستفادة من الخبرات والكفاءات، لا على التفرد والإقصاء والاستئثار.
كما أن استبعاد أصحاب الخبرة والكفاءة واستبدالهم بأشخاص يتم اختيارهم على أساس القرب الشخصي أو الولاء الفردي يشكل خطراً حقيقياً على مستقبل أي حزب. فالأحزاب التي تخشى الكفاءات وتحارب الشخصيات المؤثرة إنما تحكم على نفسها بالتراجع والعزلة، لأن النجاح لا يصنعه الضعفاء، بل تصنعه العقول القادرة على الإنجاز.
ومن الأخطاء التي تقع فيها بعض الأحزاب أيضاً انحصارها في مناطق أو دوائر محددة، أو سيطرة توجهات جهوية على مفاصلها التنظيمية، في حين أن الحزب الوطني الحقيقي يجب أن يكون حاضراً في جميع محافظات المملكة، وممثلاً لمختلف فئات المجتمع، وقادراً على استقطاب الطاقات من كل مكان دون تمييز أو إقصاء.
إن الحزب الذي لا يملك رؤية واضحة، ولا خارطة طريق، ولا برامج عمل، ولا فعاليات مستمرة، يبقى حزباً شكلياً مهما كانت أرقامه المعلنة. فالحضور الحقيقي يقاس بالفعل على الأرض لا بعدد الأسماء في السجلات.
المفارقة أن بعض من كانوا بالأمس يصفون الأحزاب القديمة بـ“الدكاكين السياسية” ويسخرون من حضورها وتأثيرها، أصبحوا اليوم يقودون أحزاباً أُسست حديثاً وتملك إمكانات أكبر. إلا أن التجربة أثبتت أن قيمة الحزب لا تُقاس بتاريخ تأسيسه ولا بحجم الإنفاق عليه، بل بقدرته على إنتاج العمل السياسي الحقيقي والحضور الفاعل في الميدان.
لقد أثبتت أحزاب قديمة، رغم محدودية إمكاناتها، حضوراً وتأثيراً يفوق أحياناً أحزاباً حديثة التأسيس تمتلك دعماً وإمكانات مالية وتنظيمية أكبر، لأن المعيار الحقيقي للنجاح يبقى الأداء السياسي والبرامج والقدرة على التواصل مع المواطنين، لا الأرقام المعلنة ولا المظاهر التنظيمية.
وفي المقابل، هناك أحزاب أثبتت أن العمل المؤسسي هو الطريق الصحيح، فطورت أداءها باستمرار، وعقدت الندوات واللقاءات، ووسعت انتشارها الميداني، وفتحت المجال أمام الكفاءات، وأصبحت أكثر قدرة على التأثير في الرأي العام وصناعة المشهد السياسي.
في الدول المتقدمة، تشكل الأحزاب الحكومات وتقود السياسات العامة لأنها مؤسسات حقيقية تمتلك برامج ورؤى وقيادات تعمل بروح الفريق. أما الأحزاب التي تعيش على عقلية الفرد الواحد، فإنها مهما بدت قوية في ظاهرها، تبقى معرضة للانقسام والتراجع والفشل.
إن المرحلة القادمة تتطلب مراجعة جادة داخل بعض الأحزاب، وإعادة الاعتبار للمؤسسية والديمقراطية الداخلية واحترام الرأي الآخر، وتمكين الكفاءات، وتوسيع قاعدة المشاركة، لأن مستقبل الأحزاب لا يصنعه الأشخاص مهما كانت مواقعهم، بل تصنعه المؤسسات القوية القادرة على الاستمرار.
الأحزاب ليست ملكاً لأشخاص، ولا تُبنى على الولاءات الفردية، بل على المؤسسات والكفاءات والبرامج. وعندما يتحول الحزب إلى منصة لشخص واحد، فإنه يفقد رسالته الوطنية، أما حين يصبح بيتاً للكفاءات والعقول، فإنه يصبح مشروع دولة وقادراً على صناعة الحكومات والمستقبل.
فالحزب الذي يُبنى على شخص واحد يضع مستقبله كله في يد شخص واحد، أما الحزب الذي يُبنى على المؤسسات والكفاءات فيبقى قادراً على النهوض والتجدد مهما تغيرت القيادات والظروف.
وإذا أرادت بعض الأحزاب أن تكون شريكاً حقيقياً في صناعة المستقبل وتشكيل الحكومات، فعليها أن تنتقل من مرحلة الشعارات إلى مرحلة العمل، ومن ثقافة الفرد إلى ثقافة المؤسسة، ومن إدارة الولاءات إلى إدارة الكفاءات، فهذه هي الطريق الوحيدة نحو النجاح والاستمرار
