تثير الأزمة الصحية التي شهدتها سفينة هونديوس مؤخرا تساؤلات ملحة حول مستقبل السلامة في البحار، حيث أعاد ظهور فيروس هانتا على متن السفينة للأذهان ذكريات الأوبئة التي كان يعتقد العالم أنها باتت جزءا من التاريخ البعيد. واكتشفت السفينة نفسها محاصرة في عرض المحيط وسط رفض دولي لاستقبالها، مما أعاد إحياء سيناريوهات طاعون مرسيليا حين كانت المدن الساحلية تغلق أبوابها أمام السفن الموبوءة خوفا من انتقال العدوى.
وأوضح المؤرخ فرانسوا دريمو أن ما حدث ليس استثناء، بل هو حلقة في سلسلة طويلة من الأزمات الصحية التي ضربت الملاحة، مذكرا بسفينة غراند سانت انطوان التي نقلت الطاعون عام 1720 بسبب ضعف الرقابة. وشدد على أن هذه الأحداث تكشف هشاشة الأنظمة الحديثة أمام الأمراض، وهو ما ظهر جليا خلال أزمة السفينة دايموند برينسس التي أصبحت رمزا لعجز الأنظمة الصحية في بدايات انتشار كورونا.
البحر كفضاء للعزل التاريخي
وبين المقال أن البحر يمتلك خصوصية فريدة في انتشار الأوبئة، ففي الماضي كانت الرحلات الطويلة تجعل من السفن بيئات مغلقة ومثالية لتفشي الأمراض قبل وصولها للموانئ. وأكد أن هذه المخاطر هي التي دفعت الدول منذ القرن التاسع عشر لفرض وجود طبيب على متن كل سفينة، مع تخصيص مناطق عزل صارمة داخل السفن ومراقبة دقيقة للركاب.
وأضاف أن الموانئ الكبرى حول العالم طورت بروتوكولات معقدة لمواجهة هذه التهديدات، مثل مركز ايليس ايلاند الذي خضع فيه ملايين المهاجرين لفحوص دقيقة منذ نهاية القرن التاسع عشر. وكشف أن الصحة البحرية لم تكن مجرد إجراء طبي، بل تحولت إلى أداة سياسية استخدمتها القوى العظمى لإظهار هيمنتها وحماية مصالحها التجارية عبر التحكم في حركة السفن.
وأشار إلى أن رفض دول معينة استقبال السفن المنكوبة اليوم يعكس استمرار هذا المنطق السياسي المرتبط بالسيادة الوطنية، حيث لا يزال الخوف من فقدان السيطرة هو المحرك الأساسي لقرارات الإغلاق. واعتبر أن النقل الجوي قد غير قواعد اللعبة، لكن الرحلات البحرية الطويلة تظل استثناء يعيد تذكيرنا بمدى سرعة انتشار المرض في المساحات المحدودة.
أدوار الطبيب البحري في الأزمات
وتابع التقرير أن دور طبيب السفينة تطور ليصبح ركيزة أساسية في إدارة الأزمات، حيث يتطلب العمل في عرض البحر مهارات تجمع بين الطب وعلم الأوبئة واللوجستيات المعقدة. وبين أن التكنولوجيا الحديثة وأجهزة التعقيم المتطورة لم تقضِ تماما على التهديدات، إذ يظل فيروس هانتا المرتبط بالقوارض تذكيرا بأن الإنسان لا يزال في صراع أزلي مع البيئة البحرية.
وأكد أن أهمية هؤلاء الأطباء تتجلى بوضوح في المواقف التي تتطلب اتخاذ قرارات حاسمة بعيدا عن المستشفيات والمراكز الطبية المجهزة. وأضاف أن التحدي لا يقتصر على العلاج فقط، بل يمتد لإدارة الحالات النفسية واللوجستية للركاب المحاصرين في وسط المحيط.
الفئران والعدو التاريخي للملاحة
وأظهرت التحليلات أن القوارض كانت ولا تزال العدو الخفي للسفن، حيث كانت الفئران تاريخيا الناقل الرئيسي للأوبئة الفتاكة كالطاعون، مما دفع البحريات لتطوير حواجز ميكانيكية لمنع تسللها. وشدد على أن أزمة هونديوس ليست مجرد حادثة طبية، بل هي مرآة تعكس عودة العالم إلى أساليب العزل القديمة عند مواجهة المجهول.
وكشفت الأحداث أن الذاكرة الجماعية للبشرية لا تزال مرتبطة بصور السفن المعزولة في الأفق، وهو ما يثير القلق رغم كل التقدم العلمي. وأكد في الختام أن البحار تظل فضاء هشا أمام الأمراض غير المرئية التي قد تهدد استقرار اليابسة في أي لحظة.
