شهدت منطقة البقعة شرق مدينة الخليل واقعة مؤلمة تمثلت في تجريف واسع لمئات الدونمات الزراعية التي كانت تكتسي بأشجار العنب المثمرة. وجاء هذا التحرك من قبل جرافات الاحتلال في توقيت حساس يسبق موسم الحصاد الذي ينتظره المزارعون الفلسطينيون بفارغ الصبر كمصدر رزق رئيسي لهم بعد موسم شتوي واعد. وتسببت هذه الممارسات في حالة من الذهول بين أصحاب الأراضي الذين وجدوا أنفسهم أمام خسائر مادية فادحة لا يمكن تعويضها في ظل تدمير ممنهج لمصدر دخلهم الوحيد.

واكد المزارع اياد جابر ان المنطقة تتعرض لهجمة شرسة تهدف في جوهرها الى تهجير السكان واقتلاعهم من اراضيهم. واوضح ان سلطات الاحتلال باغتت المزارعين ببدء عمليات التجريف لتوسعة شارع 60 الاستيطاني دون سابق انذار او منحهم فرصة لإنقاذ محاصيلهم. وبين ان التوسعة التهمت نصف اراضيهم تقريبا مما حول مصدر رزقهم الى اطلال وبقايا اشجار مقطوعة لا تصلح الا للتدفئة في الشتاء.

وكشف جابر عن حجم المعاناة قائلا ان شجرته التي بلغ عمرها 25 عاما كانت تدر عليه دخلا سنويا يصل الى مئة الف شيكل. واضاف ان هذا الانقطاع المفاجئ في مصدر الرزق يضع عائلات باكملها امام مستقبل مجهول في ظل غياب اي تعويضات او حلول تخفف من وطأة هذه الكارثة الزراعية التي حلت بهم.

قصة التراب المسلوب

واشار المزارع شكري جابر الى ان وجع الارض يتجاوز مجرد فقدان الاشجار ليصل الى تعب السنين الذي بذله في استصلاح الجبال وتحويلها الى سهول خضراء. واكد انه دفع ثمن التراب الذي نقلته شاحناته لتهيئتها بنفسه. وبين ان المتعهد المرافق للجرافات رفض السماح لهم حتى بالاستفادة من التربة التي استصلحوها بدعوى انها ملك للحكومة مما زاد من حدة الغضب والالم لدى الاهالي الذين يرون ارضهم تضيع امام اعينهم.

واضاف شكري انهم اجبروا على المشاركة في تقطيع اشجارهم تحت تهديد الجرافات التي كانت مستعدة لسحق كل شيء في طريقها. وشدد على ان هذه الممارسات ليست مجرد توسعة طريق بل هي عملية استيلاء ممنهجة على مقدرات المزارعين الذين عملوا لسنوات طويلة في تعمير هذه الاراضي القاسية. واوضح ان التبريرات التي ساقها الاحتلال لم تكن سوى غطاء قانوني لتنفيذ مخططاته التوسعية.

وبينت تقارير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان ان الاحتلال يستخدم قوانين المصادرة للصالح العام كذريعة قانونية لا يمكن الاعتراض عليها امام المحاكم. واكدت التقارير ان هذه الاليات تمنع الفلسطينيين من حماية ممتلكاتهم وتسهل ربط المستوطنات ببعضها البعض. واظهرت الاحصائيات ان الاحتلال اتلف واقتلع ما لا يقل عن 120 الف شجرة في الضفة الغربية خلال السنوات القليلة الماضية ضمن سياسة التضييق المستمرة.

سياسة الامر الواقع

واكد خبراء قانونيون ان الاحتلال يتعامل مع الاراضي الفلسطينية باوامر عسكرية تفرض واقعا جديدا على الارض. واضافوا ان هذه الاستراتيجية لا تهدف فقط الى مصادرة الاراضي بل الى عزل الفلسطينيين عن شبكة الطرق ومنعهم من التحرك بحرية. وبينوا ان الهدف النهائي هو خلق تواصل جغرافي للمستوطنات على حساب الاراضي الفلسطينية.

واوضح المزارعون انهم اصبحوا امام واقع مرير حيث لا توجد فرصة للاعتراض او التظلم. وشددوا على ان صمت المجتمع الدولي يشجع الاحتلال على الاستمرار في هذا النهج التدميري. وبينوا ان كل شجرة يتم اقتلاعها هي جزء من تاريخ وهوية الارض التي يحاولون التمسك بها رغم كل الضغوط.

وكشفت الوقائع الميدانية ان الخسائر لا تقتصر على المزارعين الافراد بل تمتد لتشمل الاقتصاد الزراعي للمنطقة ككل. واضاف الاهالي انهم مستمرون في الصمود رغم قسوة الظروف. واكدوا انهم سيظلون متمسكين بارضهم حتى وان حاول الاحتلال محو كل اثر للزراعة فيها عبر جرافاته التي لا تتوقف عن التهام الاخضر واليابس.