تتعرض مقبرة مأمن الله التاريخية في مدينة القدس لانتهاكات مستمرة تطمس معالمها الاسلامية العريقة، حيث كشفت سلطات الاحتلال الاسرائيلي عن مخطط جديد لتطوير ما تطلق عليه اسم حديقة الاستقلال بميزانية ضخمة تناهز 80 مليون شيكل. واظهرت المعطيات الميدانية ان المشروع يتضمن تمديدات بنية تحتية وانظمة ري واضاءة حديثة، وهي اعمال انشائية تتم فعليا فوق رفات الصحابة والعلماء والقادة الذين احتضنتهم هذه الارض المباركة على مدار تسعة قرون. واكد خبراء ان هذا التحرك يهدف الى تزييف هوية الموقع التاريخي وتحويله الى مرفق ترفيهي على حساب حرمة القبور التي لا تزال باقية في المكان.

محاولات طمس التاريخ الاسلامي

وبين رئيس بلدية الاحتلال موشيه ليون ان الهدف من المشروع هو تعزيز الحديقة كمركز ثقافي وترفيهي للسكان والزوار، متجاهلا تماما التاريخ الاسلامي للمكان. واضاف ان العمل سيشمل تحديث الغطاء النباتي وتطوير المرافق العامة، في محاولة واضحة لفرض واقع جديد يمحو الذاكرة الفلسطينية للمقبرة التي تعد من اقدم واكبر مقابر القدس. واوضح الباحث في تاريخ القدس ايهاب الجلاد ان التسمية التاريخية للموقع تعود الى بركة ماء كانت تعرف بـ ماء من الله، مؤكدا ان محاولات ربط الموقع بروايات اخرى تندرج ضمن سياسة التضليل التاريخي الممنهجة.

المخاطر المحدقة بالبركة الاثرية

واشار الباحث الجلاد الى ان البركة الموجودة في قلب المشروع تعود للفترة الاسلامية، وهي معلم اثري كان يزود البلدة القديمة بالمياه عبر قنوات تاريخية. واكد ان المشروع الجديد سيؤدي حتما الى تدمير القبور المحيطة بالبركة نتيجة حركة الزوار والمعدات الثقيلة، مشددا على ان الميزانية المرصودة كان يجب توجيهها لخدمة احياء شرقي القدس المحرومة بدلا من العبث بمقبرة تاريخية. واوضح ان نمو الاعشاب الكثيفة في الموقع ليس عشوائيا بل هو جزء من حالة الاهمال المتعمد لتهيئة الارض لمشاريع استيطانية قادمة.

نهج استهداف المقابر في القدس

وكشف الاكاديمي جمال عمرو ان الاحتلال يتبع سياسة ثابتة تقوم على انتهاك حرمة الاموات في جميع مقابر القدس، سواء عبر نبش القبور او تحويلها الى حدائق ومتاحف. واضاف ان هذه الممارسات تعكس استخفافا بمشاعر المسلمين، مشيرا الى ان الاحتلال يغير مسارات مشاريع حيوية في مناطق اخرى اذا اشتبه بوجود قبور يهودية، بينما يستبيح قبور المسلمين دون اي رادع. واكد ان ما يحدث في مقبرة مأمن الله هو حلقة في سلسلة طويلة من التهويد التي طالت مساحات واسعة من اراضي الوقف الاسلامي في المدينة المحتلة.

حقائق عن مقبرة مأمن الله

وبينت السجلات التاريخية ان مقبرة مأمن الله تمتد على مساحة تقدر بنحو 168 دونما غربي البلدة القديمة، وتضم رفات نخبة من التابعين والشهداء منذ الفتح الاسلامي. واكدت المصادر ان الدفن فيها توقف رسميا عام 1927 بسبب الاكتظاظ، لكن الاعتداءات الاسرائيلية بدأت فعليا بعد عام 1948 عبر تحويل اجزاء شاسعة منها الى مواقف للسيارات ومرافق عامة. واظهرت الاحصاءات ان اقل من 5% فقط من مساحة المقبرة الاصلية هي التي لا تزال تحتفظ ببعض الشواهد، في حين تلاشت معظم القبور تحت وطأة المشاريع التهويدية المتلاحقة.